مقالات العام

في منطقة الثعالبة .. مخازن جلود تنشر الأمراض بلا رقابة

 من يدخل الحي الصناعي  في منطقة الثعالبة ببغداد سيفاجأ بعشرات الابنية التي تستخدم كمخازن تحتوي على كل ما يدخل في صناعة الجلود وإنتاج المواد الغذائية من بقايا المواشي بعد ذبحها كالجلد والامعاء،  أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الحي هو ما ينبعث من روائح تثير الغثيان، فهي تشبه رائحة الاعضاء العضوية المتفسخة، اضافة إلى روائح الجلود المنبعثة من كل مكان، والأملاح التي غطت مساحات واسعة من الشارع والرصيف المخصص للمارة،أغلب ابنية هذه المخازن ابوابها مغلقة، وما أن تقترب منها حتى تشاهد العشرات من العمال بداخلها، البعض منهم يقوم بعملية تمليح جلود المواشي، وآخرون ينظفون بقايا بطونها في  غرف شبه مظلمة وخالية من وسائل التهوية الصحية.
 أحد العاملين بين ان الصناعة في هذا الحي تعتمد على بقايا المواشي المذبوحة التي يمنحها الناس للقصاب بدل ثمن الذبح ، وبدوره يعمد هو إلى بيعها الى (الدوارة المختصين بجمع الجلود وبقايا الامعاء)  ( المصارين ) لتتم عملية بيعها لأصحاب هذه المخازن.
 يقول كاظم الموسوي صاحب مخزن للجلود:  بسبب تراجع الخدمات وانقطاع التيار الكهربائي  يعاني الحي من مشاكل كبيرة، أبرزها الاهمال الكبير في توفير مكبات خاصة بجمع القمامة والنفايات في الوقت الذي يتعرض فيه  اصحاب المخازن لملاحقات فرق امانة بغداد عند رمي مخلفات مخازنهم في اماكن تجمع النفايات  ، مشيراً إلى أن دور الجهات المعنية لا ينحسر في المراقبة وتنفيذ الاجراءات العقابية فقط ، بل من واجبها توفير ما يحتاجه الحي من خدمات، وهذا الامر صعب من عمل اصحاب مخازن الجلود.
ويرى خالد حداد وهو صاحب مخزن لتنظيف وتجميع ( مصارين المواشي ) إنه بحاجة لمكان  مناسب للعمل، فأبنية هذا الحي قديمة ومتهالكة، وتعاني من محدودية المساحة غير الصالحة لاستخدامها كمخازن لتجميع الجلود وتصنيعها.
تأثيرات صحية

غالبا ما يحاول اصحاب هذه المخازن والعاملون فيها التقليل من شأن التلوث الحاصل في هذا الحي من ناحية الروائح التي تسبب مشاكل في التنفس ، فهم يقولون  أن مشاكل التنفس لا يعاني منها إلا الذين يدخلون لأول مرة إلى هذا الحي، وأنها مجرد روائح طبيعية لا تسبب أي مشكلات صحية، بالرغم من وجود ما يناقض تبريراتهم.. فهناك عمال أصيبوا بضعف البصر كانوا يتعرضون لهذه الروائح بصورة مستمرة .
 ويشكو الشاب مهند لطيف العامل في مخزن متخصص في تنظيف وتقطيع ( المصارين )  التي تستخدم في انتاج ( الصوصج ) من سوء حالته الصحية وإصابته بضعف البصر، لافتاً إلى أن اصراره على البقاء في مزاولة هذه المهنة يعود لعدم وجود فرصة عمل أفضل منها.
ووفق الابحاث العلمية فإن الروائح التي تنبعث من امعاء المواشي ( المصارين ) هي مزيج لأجزاء متحللة وهي روائح عفنة مثيرة للاشمئزاز والغثيان من الصعب وصفها .
أمراض

  المتخصص بالأمراض الصدرية الدكتور مهدي ناظم قال:  لو قمنا بعمل اختبارات على هذه الروائح سنرصد مستويات مرتفعة جدا من التلوث، فبقايا هذه الحيوانات تسبب روائح كريهة بفعل البكتيريا التي تعتاش عليها،  ويشير ناظم إلى أن هذه الروائح تزول، ولكن بعدما تجف الأمعاء ولكونها تعالج بالمياه باستمرار فضلا عن خزنها في اماكن رطبة فاحتمالية فرص التخلص من هذه الروائح ضئيلة.  
لافتاً إلى أن هذه الروائح تؤدي الى تهيج العين والأنف وداخل الفم ،وتسبب الصداع، وتحدث ايضا مشاكل في جهاز التنفس والرئة، كونها تنتج مجموعة واسعة من المركبات العضوية  التي من المحتمل انها تؤثر في المزاج والذاكرة ايضا.
مبينا أن آثار المخاطر الصحية تكون اكبر في الأماكن المغلقة ، فالعمال في هذه الاماكن هم  أكثر عرضة من غيرهم للإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، بسبب الغازات المنبعثة كثاني أكسيد النيتروجين وأول أكسيد الكربون ، وثاني أكسيد الكبريت والجراثيم والمركبات العضوية الكيميائية ، ولا تشمل هذه المخاطر مخازن الجلود فقط لعدم توفر الشروط الصحية فيها ، فالعاملون فيها عرضة ايضا للإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والأمراض الجلدية نتيجة التعرض لعوامل فيزيائية وكيميائية يحتمل أن تكون ضارة جدا.
ويعتقد ناظم وجود بعض المفاهيم الخاطئة المتبعة كتدابير وقائية ، وينصح العاملين في هذا النوع من المهن بارتداء معدات صحية مناسبة كالملابس الواقية والقفازات المطاطية ومرشحات الهواء التي تكون في العادة على شكل أقنعة للوجه لزيادة دخول الهواء الذي يبدد هذه الروائح ويمنع تاثيراتها المرضية.
ملوثات بيئية
وعلى ما يبدو فإن مشكلة هذا الحي لم تنته عند اصابة العاملين فيه بالأمراض بسبب التلوث، بل تعدتها إلى استغلال المباني التي خصصت لتكون مخازن بصورة لا تمت  للواقع بشيء ، فاغلب هذه المخازن تم اتخاذها مصانع ،في حين يفتقر العمل فيها لأدنى المواصفات الصحية  ،مما أسفر عن تدهور حالها، ،فانقطاع التيار الكهربائي المستخدم لتشغيل مخرجات الهواء  يسهم في ازدياد هذه الروائح .. كما ولا تحوي هذه الأبنية على أي شيء يدل على أنها مصانع برغم من مزاولتها الصناعة، ويوضح هذا الأمر حجم المخالفات المتزايدة.
ويرى معنيون في الشأن البيئي ،ومنهم الناشط حارث الحميداوي إن المشكلات الصحية التي يواجهها المواطن في الغالب تأتي جراء تعامله مع بيئة ملوثة ، ويعتقد أن عدد الأشخاص الذين يعانون بسبب التلوث البيئي في تزايد، وجزء كبير من هذه الحالات في الأحياء الصناعية، حيث يكونون أكثر عرضة للسموم البيئية التي تتسبب فيها هذه المصانع، فهي لا تمتلك أي شروط صحية، فضلا عن عدم وجود رقابة حقيقية وإجراءات عقابية صارمة بحق المخالفين، مشيراً بقوله في الاحياء الصناعية، يتم الحد من المخاطر المحتملة والمرتبطة بمسببات هذه الروائح من خلال العديد من تدابير الرقابة الصحية الصارمة على المخازن والمصانع.  
ويرى الحميداوي أن الملفت في هذا الأمر، هو أن من يصب بالضرر الصحي بسبب التلوث البيئي، لا يمكنه رفع دعوى قضائية بغية تعويضه عن الضرر الذي لحق به من جراء استنشاق الروائح الناتجة من بقايا بطون هذه المواشي.
وزارة البيئة

وللتخلص من عواقب التلوث البيئي الذي تسببه هذه المهن يتطلب أن تكون الجهات المختصة على دراية بمنهجيات رصد وتفسير مدى التلوث الحاصل في هذه الأماكن من خلال تدخلات رقابية بيئية متواصلة..
ويقول مدير عام دائرة التوعية والإعلام البيئي في وزارة البيئة أمير علي الحسون إن وزارة البيئة تعتمد على معايير عالمية في متابعة الامور، فلا يمكنها السماح لأي فعالية تتسبب في احداث التلوث  البيئي، وأكد على ضرورة أن تكون مقرات هذه المصانع والمخازن بعيدة عن الأحياء السكنية لتأثيراتها السلبية على الانسان والحيوان، لان ما تنتجه من نفايات وفضلات وروائح تكون سامة وتؤثر بشكل كبير في الصحة العامة..
واشار الحسون الى ضرورة عمل هذه المصانع والمخازن بأجهزة ومعدات تقنية عالية وحديثة حتى لا تؤثر في البيئة، ولا تسبب أي تلوث لها، ويضيف، أن أغلب هذه المصانع والمخازن تقوم بمزاولة اعمالها من دون استحصال الموافقات الرسمية  البيئية .
ويرى أنه برغم من ان عملية اغلاق المصانع المخالفة للشروط الصحية والبيئية يكون من مسؤولية الفرق الرقابية في امانة بغداد ، إلا أن لوزارة البيئة الحق قانونياً في ذلك ايضا ، ولكن بسبب محدودات الوزارة في عدد الموظفين النسبي جدا ، تعتمد الشرطة البيئية على ما يردها من شكاوى تجزم وتؤكد وجود مثل هكذا مخالفات حتى تباشر بإيقاف نشاطاتها وإغلاقها.
أمانة بغداد
ولا يقتصر الأمر على مشكلات التنفس فحسب، بل يمتد إلى الاراضي الفارغة  التي امتلأت بالقمامة وفضلات الحيوانات  جراء عدم وجود اماكن مخصصة لرميها، ولم تعد الجهات الحكومية وبخاصة أمانة بغداد تراقب ما يجري.
 وربما تمثل المساكن التي تحيط بهذا الحي نقطة ذات ابعاد صحية خطيرة، فلا توجد اشارات أو لافتات تنبه أو تحذر من خطورة استنشاق تلك الروائح.
ولم ينف مدير إعلام أمانة بغداد حكيم عبد الزهرة وجود مخالفات كبيرة من قبل اصحاب هذه المخازن حسب تعبيره ، وغير ذلك من اساليب عمل مخالفة للشروط والقوانين ، لافتاً إلى أن فرق الامانة تسعى دائما لرفع ما تنتجه هذه المخازن من مخلفات وقمامة.
  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: في منطقة الثعالبة .. مخازن جلود تنشر الأمراض بلا رقابة Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى