مقالات العام

مهن تودعنا..مع رحيل فصل الصيف وأخرى ينعشها الشتاء .../ يوسف المحمداوي

الصيف هو بطل الفصول بلا منازع  في بلاد ما بين النارين - عفوا- مابين النهرين ،والملاحظ ان حدوده الزمنية بدأت تأكل من مساحات الفصول الاخرى من غير احترام لمواثيق وعهود المناخ التي بينهما ،بعد ان اصبحت الشمس تهدد عالمنا الواسع بظاهرة التصحر وهي تبخر مياه البحار والانهار صوب السماء، والدليل اننا اليوم ومع نهاية شهر تشرين الاول ونلاحظ إصرار الصيف على التواجد،واعتقد بانه في سنوات قليلة مقبلة علينا وفي ظل الاستعمار الصيفي للفصول ،ستستغني العوائل العراقية من المدفأة واجهزة التدفئة وهذا مايعفي وزارة النفط من تجهيز المواطنين بالوقود،وسيرافق هذه الظاهرة كأمر طبيعي هو غياب العديد من فواكه وخضار الفصول الاخرى بأستثناء انتاجية الصيف منها وما تجود به البيوت الزجاجية من ،وهذا يعني ايضا غياب العديد من المهن التي تكون بطبيعة خدماتها موسمية وبالتحديد الشتائية منها.
في الشتاء(نلعب طاولي)
المدى طافت شوارع بغداد لتجمع مابين آراء اصحاب المهن الشتوية والصيفية بشأن تأثير تغير المناخ على واردات اعمالهم المالية وانعكساتها السلبية على عوائلهم.
توجهنا انا والزميلان محمود رؤوف وإياد مجيد في البداية بأتجاه محلة القصر الأبيض الواقعة ضمن الرقعة الجغرافية لمنطقة البتاوين والتي تنتشر محال  تصليح تبريد السيارات وتجهيزها بالغاز،فوجدنا اغلبها قد أوصدت ابوابها ولم يبقى منها إلا ماندر.
شهاب احمد صاحب احد المحال ردا على سؤال المدى عن مايعمله في فصل الشتاء،لاسيما وأن فصل الصيف هو موسم عملهم الحقيقي ضحك وقال(نلعب طاولي) اي لعبة النرد، وأكد هذا الكلام مرة ثانية،وعلل ذلك الامر بان موسم عملنا انتهى تقريبا مع نهاية شهر آب،مبينا ان مجيئه للمحل لكونه لايجيد مهنة غيرها ولا يستطيع المكوث في البيت ليلا ونهارا،فضلا عن كون بعض الزبائن من المحافظات يقومون بتصليح اجهزة التدفئة لعجلاتهم في هذه الفترة تحسبا للشتاء ،واضاف احمد ان بعض اصحاب السيارات المعروضة للبيع في المعارض ايضا يأتون لتصليح التبريد لتكون جاهزة للبيع ،وبأستثناء ذلك لايوجد اي عمل لدينا في الشتاء ويبقى الرزق الوحيد لنا ولعوائلنا هو ما ادخرناه من عملنا في الصيف الماضي.
تقليص أجرة العامل
ابو محمد صاحب محل آخر أكد ما ذهب إليه زميله احمد بالمهنة بشأن لعبة النرد وانتهاء رزقهم مع نهاية شهر آب،ولكنه اختلف معه بالعمل ،لكونه يعمل بالشتاء كسائق اجرة في سيارته الخاصة،ويترك عامله في المحل للحالات الطارئة التي تحدث،ويؤكد ابو محمد ان اجرة العامل المعروفة عند جميع محال التبريد هي مائة الف دينار اسبوعيا،لكنها في فصل الشتاء تصبح خمسون الف دينار فقط، وعد السبب في ذلك لكون الوارد في الشتاء شبه معدوم،مبينا ان العامل يعرف ذلك مسبقا هذا الامر ويعمل وهو مقتنع  بهذا الامر ،وعن بدلات الايجار التي يدفعونها الى صاحب الملك هل تخفض في الشتاء؟،اوضح ابو محمد ان جميع المحال تدفع بدل الايجار سنويا لصاحب العمارة،وحتى لو طلبنا منه تخفيضها والكلام لأبي محمد سيرفض،او يأتي بصاحب مهنة تعمل في الشتاء والصيف ككهربائي سيارات مثلا،وبشأن محاولتهم تغيير مهنتهم في الشتاء الى مهنة اخرى،قال ابو محمد سنفقد أغلب زبائننا،فضلا عن كوننا لا نجيد غيرها.
تركنا المنطقة والمشهد السائد انه معظم محال التبريد شبه مغلقة،والمفتوح منها خالي من السيارات ولعبة النرد او الدومينو هي البديل عن ادوات التصليح في أيدي اصحاب تلك المهنة.
موسم المدافىء
بضائع رُزمت وأُودعت في المخازن وحلت مكانها اخرى لتكون في واجهة المحال،فأجهزة التبريد في المحال المتراصفة بمنطقة الكرادة قد غابت وحلت مكانها اجهزة التدفئة،وهذا أمر طبيعي كما يقول عدنان رشم صاحب احد المحال التجارية،فلاوجود للمبردات او السبلتات والحلفة ،لكن ساحة المبيعات الآن للمدفأة النفطية والكهربائية وحتى الغازية ولو بصورة اقل كما يقول رشم،مبينا ان الامر لا ينعكس على اصحاب محال البيع فقط،بل ينعكس كذلك على اصحاب محال تصليح المبردات،وبائعي المواد الاحتياطية لها،ويكون الشتاء موسم انتعاش رزق مصلحي المدافيء النفطية وحتى الكهربائية منها ،في حين انه موسم ركود لمصلحي المبردات وكذلك بائعي موادها الاحتياطية ،وكما يقول رشم  هذه هي الدنيا في جميع دول العالم مصائب قوم عند قوم فوائد.
علي مالك اتخذ من محل وسط احد اسواق مدينة الصدر،لم يؤمن بماقاله رشم بشأن البيت الشعري لكونه يقوم بتصليح وبيع المواد الاحتياطية للمبردات والمرواح في الصيف ،اما في الشتاء فيتحول الى تصليح المدافىء بجميع انواعها الغازية والتفطية والكهربائية،يقول مالك انه في السابق كان يعمل في الصيف كعامل بناء ويعود في الشتاء لتصليح المدافىء،لكنه دخل دورة اقمتها احدى المؤسسات الدينية في المدينة لتعلم تصليح الاجهزة الكهربائية ومنها المبردات والمراوح،ليترك بعدها مهنة عامل البناء ويبقى في محله صيفا وشتاءا كما يقول.
الثلج جوهرة الصيف
العربات التي تبيع الثلج في شوارع بغداد غابت تماما،لكن اصحاب المخازن الذي يجهزون محال القصابة وبيع السمك بقت على حالها على الرغم من تحسن الكهرباء الوطنية ووصولها للبيوت البغدادية على مدار الساعة.
صاحب مخزن الثلج ابو جعفر يقول لا اختلاف عندي بين الصيف والشتاء بالنسبة للوارد اليومي لكوني اقوم بتجهيز بائعي اللحوم والاسماك يوميا بقوالب الثلج،مضيفا ان القصابين يحتاجون الثلج صيفا وشتاءا لكونه يحافظ على بقاء اللحوم طازجة،وكذلك بالنسبة لبائعي السمك وخاصة اهل المطاعم التي تبيع السمك،مبينا ان المجمدات لا تفي الغرض فضلا عن خشيتهم من انقطاع التيار الكهربائي وبالتالي تلف اللحوم والاسماك،ويضيف ابو جعفر انه في فصل الشتاء يبيع يوميا (40)قالبا والعدد يزداد بالتاكيد في فصل الصيف لكون اصحاب العربات لايذهبون الى المعامل التي اغلبها في منطقة بغداد  الجديدة تحاشيا من اجرة النقل ويفضلون التسوق من المخازن القريبة من اماكن عملهم،واكد ابو جعفر ان سعر قالب الثلج من المعمل هو(1000)دينارفقط اما في المخزن  فيصل الى (3000) دينار لكونه يحمله اجرة النقل ،فضلا عن ايجار المحل والعامل الذي يقوم بايصال الثلج لزبائنه بحسب قول ابو جعفر الذي اكد ان العديد من بائعي الثلج في العربات انقطعوا عن شراء الثلج منه وتوجهوا الى الشورجة للعمل هناك في نقل البضائع.

محال المرطبات تتحول للحلويات
 علي كريم عباس بائع السكائر وكذلك يقوم ببيع قناني الماء والعصائر بانواعها يقول ان مبيعاته من قناني الماء والعصائر في الشتاء تكاد تكون شبه معدومة،ويؤكد عباس انه في الشتاء لايحتاج الى شراء الثلج من اجل تبريد المياه او العصائر لكون الجو هو الكفيل بذلك،مؤكدا انه حتى بيع السكائر تتأثر احيانا وخاصة في الايام الممطرة التي نضطر احيانا فيها الى الركون في البيت ،مؤكدا ان  الشتاء اصبح مكروها من الفقراء والباعة المتجولين ،اما الصيف فهو خيمة الفقراء بكل معنى لهذه الكلمة،مؤكدا حتى اسعار الخضار في الصيف ارخص من الشتاء.
محمد الكرّادي صاحب محل لبيع المرطبات كالآيس كريم وانواع العصائر بين للمدى انه مع انخفاض درجات الحرارة ستنخفض بالتاكيد مبيعاتنا من الآيس كريم والعصائر بانواعها،مضيفا انه في العام الماضي وفي شهر تشرين الاول كنا تركنا بيع المرطبات وحولنا المحل لبيع الحلويات والمعجنات بانواعها،لكن ارتفاع درجات الحرارة وعدم دخولنا باجواء فصل الشتاء هو من أخر تحويل المحل لبيع الحلويات كما يقول الكرّادي.
التسول والشتاء
عربات بيع الرقي والبطيخ بصحون جاهزة المنتشرة في ساحة الطيران في سوق الباب الشرقي ،ستراها هي من تبيع صحون الشلغم،وبائع الرمان المفرط بصحون ستراه مع انخفاض درجات الحرارة قد تحول لبيع الحمص(اللبلبي)،وبائع قناني بيع الماء في التقاطعات والسيطرات ستجدهم تحولوا اما لبيع الشاي،وبعضهم لبائعي الكيك والحلويات مثل (الداطلي)، وهناك العديد من المهن التي ينعشها الصيف ويخفيها الشتاء وبالعكس.
العديد من سائقي سيارات الاجرة اكدوا للمدى ان الشتاء أوفر رزقاً من الصيف بالنسبة لهم  وخاصة في الايام الممطرة،فيما يرى المتسولون ان فصل الصيف هو المفضل لديهم،باعتبار ان الشتاء يكثر من معاناتهم  ولا يعطيهم مساحات واسعة من العمل كما يقول احدهم ،فضلا عن غلق السائقين نوافذ عجلاتهم لتحاشي البرد،وهذا ما يؤدي الى عدم الانتباه لهم ولتوسلاتهم الدائمية بعد ان اصبح التسوّل مهنة سهلة لكسب المال.
الحلاقة في الشتاء
لم يخطر ببالي ابدا ان مهنة الحلاقة تتأثر هي الاخرى في مناخات الفصول،حتى وقفت عند باب محل حلاقة النيل في منطقة السعدون لصاحبه محمد ابو نور الذي بين للمدى أن فصل الشتاء أقل من الصيف في توافد الزبائن على الحلاقة،وعلل ذلك لبرودة الجو وخشيتهم من غسل الرأس خوفا من الاصابة في فايروس الفلوانزا كما يقول،والبعض يعتقد بان عدم الحلاقة قد يمنح الجسم بعض الدفء،ويؤكد ابو نور ان الوارد في الصيف هو ضعف الوارد في الشتاء،واضاف الى مصرف البيت واجور النقل وبدل الايجار الذي هو ثابت على مدار العام ،هناك ضريبة سنوية على كل كرسي حلاقة من قبل وزارة الصحة قدرها(250) الف دينار،وبما ان محله يحتوي على ثلاثة كراسي فان الضريبة ستكون (750)الف دينار ،ومن لايدفع لايمنح اجازة فتح المحل كما يقول ابو نور،مضيفا ان الوارد اليومي في الشتاء يتم صرفه كليا على البيت،مبينا انه لم يحدد اجرة الحلاقة على زبائنه كما تفعل اغلب محال الحلاقة،لكون الحلاقة ليست اجرة وانما اكرامية يقدمها الزبون للحلاق بحسب قول ابي نور.
إرتفاع أسعار مواد البناء
وجهتنا الاخرى كانت باتجاه سكلات البناء وكانت سكلة بناء الحاج خليل الواقعة في منطقة البتاوين هي اول غنائم فضولنا لمعرفة حال مواد البناء في الشتاء،استقبلنا عند الباب ابو مصطفى مبينا ان حركة مواد البناء في الشتاء افضل من الصيف وخاصة في منطقة البتاوين،لكون البيوت قديمة وتحتاج الى ترميم وادامة للسطوح بشكل دائمي،موضحا بأن سعر الطابوق في الشتاء يرتفع بنسبة عالية عن الصيف،وبين ان سعر دبل الطابوق الذي يحتوي على (4000)طابوقة في الشتاء يبلغ(900)ألف دينار،في حين ان سعره في الصيف يبلغ(700)ألف دينار بحسب قول ابي مصطفى،وعلل ذلك بسبب زيادة سعر النفط الاسود الذي هو الوقود الرئيسي لمعامل الطابوق،واحيانا فقدانه يؤدي الى هذه الزيادة ،وكذلك بالنسبة الى بقية المواد كالاسمنت والرمل والحصو والجص فهي ايضا تشهد زيادة بالاسعار،مبينا ان الامر يشهد سحب اكبر بالمناطق التي تشيد حديثا لكونها بناء دور بالكامل وليس ترميما بحسب قول ابي مصطفى الذي ودعناه بعد انشغاله مع أحد  الزبائن.
  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: مهن تودعنا..مع رحيل فصل الصيف وأخرى ينعشها الشتاء .../ يوسف المحمداوي Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى