مقالات العام

ظاهرة البطالة في العراق.. والدولة المدنية الديمقراطية / عبدالقادر خضير قدوري

البطالة ظاهرة اجتماعية غير منفصلة عن النظام الاجتماعي (السياسي والاقتصادي) القائم, ولا يمكن البحث عن أسبابها وعلاجها دون البحث عن العوامل المحركة للاقتصاد.
كما أن البطالة ترتفع وتهبط نسبتها وفق دورة اقتصادية تمر بأربع مراحل أو حالات تعرف (بالأزمة, الكساد, الانتعاش, الرواج) مرحلة الرواج أو التوسع يتجه فيها حجم الدخل والناتج والتواظف نحو التزايد إلى أن يصل التوسع منتهاه بالوصول إلى نقطة الذروة أو قمة الرواج وعندها تحدث الأزمة وهي نقطة تحول وبعدها يتجه حجم النشاط الاقتصادي بجميع مكوناته (الدخل, الناتج, التوظيف) نحو الهبوط الدوري, ليدخل الاقتصاد مرحلة الانكماش إلى أن يبلغ الهبوط منتهاه بالوصول إلى قاع الانكماش , وبعدها مباشرة يبدأ الانتعاش وهي نقطة تحول يتجه بعد?ا حجم النشاط الاقتصادي نحو التوسع مرة أخرى . أن أهم سمات مرحلة الكساد ارتفاع معدل البطالة, واهم سمات مرحلة التوسع انخفاض معدل البطالة . كما أن البطالة ليست فقط سبب رئيسي في انخفاض مستوى معيشة فئات شعبية واسعة وافتقارها.بل وتوفر بيئة خصبة لنمو الجريمة والتطرف وأعمال العنف, وتشكل مستودعا لتفريغ الإرهابيين, ذلك أن الفئات المهمشة عادة ما تكون تربة مناسبة لنمو الاتجاهات والخيارات المتطرفة. كما تسهم معدلات البطالة المرتفعة في زيادة الاستقطاب في توزيع الدخل والثروة الوطنية .وتمثل البطالة إهداراً في قيمة العمل ال?شري, حيث يخسر البلد قيمة الناتج الذي كان من الممكن للعاطلين انتاجه في حال عدم بطالتهم واستخدامهم لطاقاتهم الإنتاجية .
أسباب البطالة عندنا اليوم ليست وليدة المرحلة الراهنة فقط, بل لها امتداد وجذور لعدة عوامل لفترة النظام الدكتاتوري أي قبل عام 2003, لكنها تفاقمت بقوة وتعاضم مديات البطالة بوتائر غير مسبوقة بعد عام 2003، لجملة عوامل وأسباب أهم هذه الأسباب انعدام الاستقرار السياسي في البلاد نتيجة أتباع نهج المحاصصة (الطائفي والاثني) في بناء الدولة العراقية اذا ما علمنا أن السياسة هي التعبير المكثف للاقتصاد مما ولد عدم صياغة استراتيجيه تنموية لتنويع مصادر الدخل الوطني من القطاعات الإنتاجية الأخرى (الصناعية, الزراعية, السياحية,?... الخ )، وحرم البرجوازية الوطنية الصناعية والبرجوازية الصغيرة والحرفية من النمو وتحقيق التراكم الرأسمالي الوطني المطلوب، والاعتماد على تصدير النفط الخام كمصدر أساسي ووحيد للدخل الوطني وبالتالي ساهم في تكوين جيش كبير من العاطلين وبوتائر غير مسبوقة وهيكل متخلف وريعي للاقتصاد العراقي . أن السير المتعجل وغير المدروس نحو اقتصاد السوق قاد إلى تدهور حاد في الطلب المحلي على عناصر الإنتاج مع إغراق السوق المحلية بالسلع الأجنبية وفقد منتجو السلع الصناعية والزراعية قدرتهم على منافسة السلع الأجنبية الرخيصة وأدى ذلك ?لى منع نمو استثمارات خاصة داخل الاقتصاد , وقلص بالتالي أمكانية خلق فرص عمل جديدة وتزايد معدلات البطالة. بالإضافة إلى عدم مواءمة النظام التعليمي لمتطلبات سوق العمل, وعدم تلبية حاجة السوق لنوعية العمالة المطلوبة ساهم في زيادة معدلات البطالة في البلاد. كما كان للتدهور الأمني آثاره السلبية على القطاعات الإنتاجية كافة، وكذلك تدهور قطاع الكهرباء الذي يعد عصب الحياة , واتساع ظاهرة الفساد بكل انواعه الإداري والمالي والسياسي, وعوامل أخرى عديدة أدت إلى استفحال البطالة بشكل خطير.
كيف الخروج من مأزق البطالة في ظل الدولة المدنية الديمقراطية؟
أن الدولة المدنية الديمقراطية تؤمن أن التقليل من نسب البطالة إلى أدنى مستوياتها والقضاء عليها، يكمن في وضع إستراتيجية تنموية متكاملة توظف كل القطاعات (العام, الخاص, المختلط, التعاوني) على نحو سليم وإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي, وبناء هيكل اقتصادي متنوع مصادر الدخل , والابتعاد عن التبعية المفرطة لقطاع النفط بتنشيط الصناعة
التحويلية في فروعها المختلفة (التعدينية والإنشائية والثقيلة والكيماوية والبتروكيمياوية والهندسية) باعتبارها مرتكزاً أساسياً لبناء الأسس المادية القوية للاقتصاد وتأمين تنمية متوازنة بين القطاع الصناعي وبين مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية الأخرى. وإعادة تأهيل المعامل والمصانع الحكومية وتوفير مستلزمات ذلك وضمان إدارات كفوءة لها, ودعم القطاع الخاص وتمكينه من المساهمة الفعالة في إعادة بناء البلد وتنمية وترقية وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة وإزالة ما يعترضها من عقبات أدارية وحكومية, وتسهيل حصولها على الأ?اضي والائتمان الميسر والمعلومات والتكنولوجيا الحديثة ومساعدتها في الوصول إلى الأسواق الوطنية. التوسع في سياسات التدريب وإعادة والتأهيل للعاطلين لمساعدتهم في تنمية مهاراتهم وقدراتهم بما يتماشى مع متطلبات التكنولوجيا الحديثة. تشجيع الرأسمال الوطني على الاستثمار والسعي لاجتذاب الاستثمارات الأجنبية وفق ضوابط تحمي المصلحة الوطنية. وتصحيح مسار السياسة التجارية بشكل يؤمن ضبط الاستيراد وحماية المنتج المحلي. بناء نظام اجتماعي متكامل وصندوق للضمان الاجتماعي والتأمين ضد البطالة وزيادة تخصيصات شبكة الحماية الاجتماعية?وما يتناسب والعيش الكريم للفئات والشرائح المستفيدة منها .. اعادة النظر بالنظام التعليمي وما يتوافق مع حاجة سوق العمل. تشجيع التقاعد المبكر حتى يمكن توفير فرص عمل جديدة بدلا من هؤلاء الذين أحيلوا على التقاعد .
ان إزالة البطالة يجب النظر أليها على أنها الشكل الخاص الذي تتجسد فيه أزمات ومشكلات كثيرة تعاني منها البلاد , ومن هنا فعلاجها يرتبط في الحقيقة بعلاج هذه الأزمات والمشكلات, والتي أساسها وجذورها هو نظام المحاصصة الطائفية والقومية التي سببت تدمير العراق.
لذا لا بد من إسقاط نظام المحاصصة الطائفي والقومي دستوريا. لأن من الوهم الاعتقاد بمجرد صياغة الحلول سيتعافى الوضع وتزال الأزمات والمشاكل, فالنتائج تقترن بالفعل البشري, بالتغير دستوريا عبر صناديق الاقتراع, بصوت المواطن العراقي الذي يستطيع أن يصنع مستقبل العراق.
  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: ظاهرة البطالة في العراق.. والدولة المدنية الديمقراطية / عبدالقادر خضير قدوري Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى