مقالات العام

إنصافا للطبقة العاملة / جمال الخرسان

اطلالة اخرى بهية للأول من ايار، اليوم العالمي للعمال، هذه المناسبة السعيدة محطة اخرى لإعادة النظر بالكثير مما يتعلق بالطبقة العمالية الكادحة التي تشمل الكثير من الشرائح الاجتماعية مثل عمال الاجر اليومي المعقول، الموظفين من اصحاب الرواتب المعقولة، بل وحتى اصحاب المشاريع البسيطة التي لا تنتفخ بين ليلة وضحاها على حساب الاخرين.
ان الطبقة العاملة هي الاداة التنفيذية الاساسية التي تنهض بها الدولة، بحركتها وانضباطها ونشاطها تتحول المعالم العمرانية من خطوط على الورق الى واقع ملموس. لولا عرق جبين العاملين وشقائهم لما سارت عجلة الحياة، لتلك الشريحة اهمية استثنائية في بنية المجتمع، وكلما استقرت شريحة العمال وتنفست الصعداء ساهمت في نهاية المطاف باستقرار المجتمعات استقرارا اقتصاديا، تتلاشى فيه شيئا فشيئا دوافع الجريمة بفعل التفاوت الطبقي البغيض، كلما استقرت تلك الشريحة انعكس ذلك ايجابا حتى على الوضع الامني وخصوصا في البلدان التي تعاني من ?اهرة الارهاب. من هنا كان لزاما علينا جميعا طبقة عاملة ومؤسسات رسمية اعادة النظر بقوانين العمل التي يغفل بعضها تفاصيل مهمة تتعلق بحقوق العامل، وهناك فراغات قانونية عادة ما تستغل من قبل ارباب العمل لصالحهم على حساب العامل الكادح. واكثر من ذلك لابد ان تفعل الجهات الرقابية التي تنفذ القوانين بشكل عادل وتضمن حقوق العمال، فهؤلاء لا يملكون عادة تكاليف الدفاع عن مظلوميتاهم مما يدفعهم للقبول بالواقع المجحف تلافيا لمزيد من الاستنزاف.
حقوق العمال وثقافة العمل بشكل عام لا يمكن ان تتفعل دون ان تتحول الى ثقافة اجتماعية يعرف فيها كل ذي حق حقه، يعرف العامل ان يلجأ حينما يتعرض لإجحاف، يعرف ارباب العمل ما لهم وما عليهم، هناك خطوات عملية يفترض ان تنفذ على الواقع وليس بالضرورة جميعها موكلة لعهدة الدولة والمؤسسات الرسمية بل ايضا النقابات العمالية ومؤسسات المجتمع المدني وجماعات الضغط يفترض ان يكون لها دور ايجابي في هذا المجال. في مجتمعات ليست مثالية كما هو الحال مع المجتمع العراقي الذي تعرض لحروب ودمار، وحصار اقتصادي اباد الحرث والنسل، لا يبدو فيه?وضع العامل جيدا، وهناك الكثير من الظواهر السلبية التي تدفع الكثيرين لترك فرص العمل، لا شك ان جزءا منها هي غياب الثقافة القانونية التي تحفظ حق الطرفين وربما حتى غياب الضوابط القانونية التي تنصف العامل وارباب العمل. مما يعني تكريس ظاهرة المجتمع الريعي الذي يتكل على موارد الدولة فقط حتى وان كانت وجهاً من وجوه البطالة المقنعة. ما تقدمت الاشارة اليه من ظواهر سلبية وغيرها يمكن ان تشكل دافعا ايجابيا لإعادة النظر في اوضاع الطبقة العاملة بشكل عام، اعادة النظر في القوانين التي غالبا ما تنحاز لصاحب الحظوة على حساب الطبقة العاملة، الاستغلال الاجتماعي الذي تعاني منه الطبقة العاملة، ولكثير من التفاصيل التي لازالت بحاجة الى مزيد من التنضيج، ولعل اهم تلك التفاصيل هو تنظيم الطبقة العاملة نفسها من الداخل، فما زالت حقوقها غير متراصة، مندفعة بشكل مربك، ان نظمت نفسها يمكن ان تشكل ادوات ضغط فاعلة على مطبخ القرار وتحظى بمزيد من الحقوق والاحترام، لا يمكن لها ان تفرط بصوتها مجانا. يمكن توظيف ذلك الصوت من اجل استحصال الحد الادنى من المزايا التي يحظى بها العمال في البلدان المتقدمة، ان الطبقة العمالية ذاتها عليها ان تتحمل المسؤولية وتعيد النظر بحساباتها من جديد، حراكها المنظم داخل البيت العمالي بحد ذاته يدفع الاخرين للوقوف معها اما على اساس التضامن الانساني او حتى على قاعدة المصالح المتبادلة، ان الطبقة العاملة أسقطت حكومات، وأوصلت أحزابا الى سدة الحكم لكنها في المقابل حصلت على ما تستحق. ان تلك الطبقة هي المؤثر الكبير في معظم المتغيرات الاجتماعية والسياسية ويمكن لها ان تفعل الكثير شريطة ان تحظى بشيء من التنظيم.
ومع آمال عريضة من الجميع بان تتحسن اوضاع الطبقة العاملة في العراق، لا بد من تحية تلك الايادي التي سال عرق جبينها من اجل ان تبني، وايضا من اجل ان تكسب ارزاقها بموارد مشروعة، تحية وإكباراً لكل من سحقتهم الايام من تلك الشريحة المعذبة ولم يتذكرهم احد، وسط زحام الاحداث وتسارعها المخيف، تحية لكل من خرج صباحا بحثا عن لقمة عيش يسد بها رمق عياله، تحية لكل عمال العراق وعمال العالم في يومهم العالمي، تحية لنا جميعا.


  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: إنصافا للطبقة العاملة / جمال الخرسان Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى