مقالات العام

المرأة الريفية... هموم وآمال الدكتور كريم علكم الكعبي

تعرضت المرأة في بلادنا، لمواقف متذبذبة، تراوحت بين اضطهاد، وعنف، وظلم. وكان نصيب المرأة الريفية من كل ذلك أكثر من غيرها لعوامل  اقتصادية، واجتماعية، وسياسية، أسهمت في شيوع النظرة الدونية للمرأة، وعانت أرياف مدن العراق وبنسب متفاوتة من ضبابية التعامل، مع النصف الثاني من المجتمع،  لسيطرة العقلية العشائرية الإقطاعية وما تحمله من عادات وتقاليد  ومعتقدات وقـفت سداً منيعاً أمام نهوض المرأة.
والى عهد قريب يترفع الرجل الريفي، الذي لا يقل تخلفاً عن المرأة  عن ذكرها في حديثه فهي في تفكيره.. جارية لخدمته وبيته وأطفاله وضيوفه وعندما يرد ذكرها في حديثه يردد (تكرم أنتَ حرمة). دون علمه أن المرأة هي حرمة الرجل فعلاً. فعليه  رعايتها وحمايتها وتكريمها واحترامها ومنع المساس بها مادياً ومعنوياً.
وتجلى العنف الاجتماعي ضد المرأة الريفية في تعدد الزوجات، وتعدد أنواع الزواج، الذي تلاشى بعضه بسبب التحسن الضئيل في الوضع الاقتصادي، وهو: الزواج (الطبيعي)، وزواج (الفصل)، وزواج (النهيبة)، أي الخطف، وزواج  (الصداق أو الكصة  بكصة)، وزواج  (الهبة)، وزواج  (الصيحة)، وزواج (النهوة)، وزواج (القبيلة الواحدة)، وزواج (الكعيدي).
كما  تعاني المــرأة الريفية مــن الأمية، الأبجدية والحضارية. فهــي لا تفقه حياتها، مغفلة، ساذجة، محبطة، قلقة، إلاّ أنها كريمة اليـد، أبية، شريفــة، وتميل بإيمان مطلق إلــى الطب الشعبي، والسحر، والشعوذة، لحــل مشاكلها وللتبرك، وطلب الرزق، والعلاج.
وقد انحصر جهدها فـي إعداد الطعام للعائلة، والضيوف، وتربية الحيوانات الأليفة، ورعيها وتوفير أعلافها مـــن الحشائش  والبرسيم..  الخ وتربية ورعاية  الطيور الداجنة وتهيئة عليقتها، وتنظيف أماكنها.
فالمرأة الريفية مشاركة فعالة في الأعمال الزراعية بدءاً من حراثة الأرض إلى تنظيفها، وتنظيمها،وزراعتها، وسقيها حتى حصادها وجمع ثمارها. وتسهم في صناعة ما تحتاجه الأسرة من حاجيات منزلية. كالتنانير، والسلال، والحصران، والمراوح اليدوية، والمكانس، وتحوك السجاد، والبسط، والوسائد، والفرش  وتعمل فــي صناعة الحليب، الذي تبيعه في الأسواق القريبة. فضلا عن بيع الأسماك والخضروات.
وخلدت واقعها وعكسته في أشعارها التي رددتها، في ترقيص أطفالها، أو النواح على الموتى الأقربين، وغيرهم، وتتناثر أحزانها من أشعارها، للحط ضمنياً من مضطهديها وسالبي حقها!. فتجد المجال رحباً ومناسباً للإفصاح عما تعانيه من جور وتعسف، وهدر لحقوقها، ولا تفوت أي فرصة إلا وتستثمرها للتعبير عــن معاناتها، ونقل همومها فهي باكية نائحة مـــن الطراز الأول.
إن ما تقدمه المرأة الريفية من جهود، وأعمال يومية متواصلة لا تجازى عليها. فهي ضائعة في جهد زوجها، الأمر، الذي زاد من تذمرها من هذا الواقع المرير، حتى آثرت تمثل الرجل بزيه فلبست (العقال والكوفية) والدشداشة الرجالية كمحاولة تولد لها راحة نفسية للتقرب من الحياة الذكورية، والتصرف كالرجال، في الحديث، والعمل، والحوار، ومخالطتهم، وهن كثيرات.
إن ما سلف ذكره من الهموم، والمعاناة والآلام النفسية، التي كبلت المرأة الريفية، بقيود، أفقدتها شخصيتها، وأبعدتها عن الإسهام في بناء محيطها. لذا يقتضي إقرار برامج تكتيكية، وأخرى ستراتيجية، لمعالجة واقع المرأة الريفية المأساوي، والتوجه لتخليصها منه. ولعل أول هذه البرامج، التوجه الصادق لمحو أميتها الأبجدية، والحضارية، وبناء مجمعات سكنية، للتخلص من أكواخ القصب والطين، تضم مراكز صحية، وأمنية، ومدارس، وزرائب لإيواء الحيوانات، وتربيتها، وورش عمل مناسبة لبيئة الأرياف، ومراكز ثقافية، وشق الطرق المبلطة،ووسائل الاتصال?الحديثة، وتوفير الكهرباء، والماء النقي الصالح للشرب، وبناء الحوانيت والأسواق، والعناية بتربية الأطفال،وتهيئة المسابح، والألعاب المناسبة لهم، ومراكز الإرشاد الزراعي، ومراكز لجمع الحليب، والأسماك، والطيور، والاهتمام بتوفير مستلزمات الزراعة الحديثة، وتخليص مواطني الريف من العشوائية في مجالات عيشهم كافة.
  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: المرأة الريفية... هموم وآمال الدكتور كريم علكم الكعبي Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى