مقالات العام

من الصور الشمسية الى الملونة مهنة التصوير.. تحديات وقصص لا تنتهي

اسعد عبدالله عبدعلي
مؤيد أتعبته البطالة, سنتان وهو يسبح في بحر من الضياع والتسكع لايجاد فرصة عمل ما تلبي غايته وهي الحصول على مردود مالي يكفي حاجته, ووسط هذا الانهماك في البحث كان مؤيد مولعا بالتصوير وكان يحمل كامرته معه دوما, الى ان اهتدى ذات يوم لفكرة ان يكون مصورا, فاشترى كاميرا حديثة  وافتتح استوديو صغيراً، حيث لم يكلفه المشروع رأس مال كبيراً, وبدأ يعمل في مهنته الجديدة، ولاحظ من الأيام الأولى أن حياته قد طرأ عليها تغيير ملفت واصبحت ذات معنى، بل شعر انه وجد ليكون مصورا . فابدع في مجاله وزادت تطلعاته الى ان قرر ان يدرس فن التصوير، وقد فعل ذلك، بل وأقام معرضا للصور الفوتغرافية. وبذا رأى أن الكاميرا قد نقلته من عالم البطالة والرتابة والتسكع اللامجدي الى عالم العمل والشهرة والشعور بمعنى في حياته.

مهنة التصوير من المهن المهمة في حياتنا حيث توثق الصورة حالة الفرح والبهجة وحتى حالة الحزن واللوعة , فمن منا ينسى الصورة الشمسية التي يجلس مصورها بكامرته الخشبية المستندة على ثلاث قوائم في العراء وبوجود أشعة الشمس حتما، صيفا وشتاء ليلتقط صورة شمسية سريعة للمعاملات الرسمية العديدة, ولغيرها من المناسبات التي لولا المصور الشمسي لما وثقت واحتفظت بملامح الوجوه في غابر الزمان.
انها مهنة حفظت كرامة الكثير من العوائل خصوصا في زمن الحصار الذي اتعب كاهل الشعب العراقي ودفعه نحو امتهان المهن المتعددة لتلبية الحاجات المعيشية الصعبة.
مهنة التصوير تعاني اليوم من تحديات متعددة, بالاضافة الى حكايات ارتبطت بها بفعل تماسها مع المواطنين واحتياجاتهم ورغباتهم . حاولنا ان نتعرف على عالم التصوير والمصورين عبر هذه الاراء . 

اولا التقينا ببعض المصورين للتعرف على المهنة والدوافع لامتهانها ومصدر التعب فيها:

التصوير أنقذ حياتي

يقول فارس علي، مصور في مدينة الصدر: تخرجت من كلية الآداب عام 2009 ولم احصل على فرصة للتعيين، وظل الزمن ينسل من بين يدي , لذا قررت ان افتتح مشروعاً ينقذني من البطالة التي كادت تقتل احلامي , فكان افتتاح استوديو للتصوير هو الحل لأنه لم يكلفني كثيرا , واليوم انا أوفر من امتهان هذه المهنة كل احتياجاتي وبدات افكر بالزواج بعد ان استقريت ماديا.
وأضاف: اهم ما نعانيه في مهنتنا اليوم هو المنافسة غير الشريفة من قبل البعض وعدم تنظيم عملنا كمهنة من قبل نقابة المصورين. واتمنى ان تكون هناك دورات لتطوير المهارات, وان يكون هناك سوق خاص بنا، وان يكون الحصول على الكاميرات بنظام التقسيط بسبب ارتفاع ثمن الكاميرات الحديثة.

الموبايلات الذكية.. تتحدى

يقول ثامر الزركاني، صاحب استوديو للتصوير في شارع فلسطين: التصوير اليوم كمهنة يتعرض لضغوط التكنلوجيا , فدخول الموبايلات الذكية ذات الكاميرات الدقيقة جدا التي تضاهي ارقى الكاميرات شكل نوعاً من عدم الحاجة لنا كمصورين حتى في المناسبات التي كانت حكرا لنا ، لكن اليوم نجد الموبايل والكاميرات الشخصية أصبحت تنوب عن دورنا, مما حد من نشاطنا. ولكن لم تمت المهنة بل دوما نجد ابواباً جديدة مثل طبع صور الموبايل, واستنساخ المستمسكات, او اعمال الفوتوشوب للصور التي تصلنا من الناس.
وأضاف: اتمنى ان تكون هناك مجالات خاصة بالمصورين مثل الحفلات او المناسبات كي يعاد فتح ابواب الرزق لنا او نتمكن من الحصول على تكنولوجيا حديثة توفرها لنا جهات داعمة لمهنتنا كي نتمكن من التنافس مع التكنولوجيا الحديثة.

افكر كثيرا في ترك مهنة التصوير

ويضيف المصور محمد حسن،  صاحب استوديو في حي أور: مهنتنا تعاني كثيرا هذه الأيام وأنا أفكر كثيرا  في ترك التصوير مع عشقي الكبير له فانا منذ الطفولة مصور حيث عملت مع ابي وورثت المهنة عنه.  فالتطور التكنولوجي جعل منهتنا آيلة الى الزوال, واليوم نحتاج للكثير كي يمكننا ان نواكب التطور مثل الحاجة لكاميرات حديثة واضافة امور أخرى مرتبطة بالتصوير كفن التصميم والفوتوشوب وهذا يحتاج الى وجود جهة حكومية توفر لنا قروضاً للتطوير، بالإضافة لحاجتنا إلى دورات تطويرية في فن التصوير, مع فتح مجالات اوسع لنا كالتعاقد مع المواقع الالكترونية والصحف والفضائيات .

مهنتنا تحتضر

اما المصور حيدر البغدادي فيقول: مهنتنا بكل امانة تحتضر, والسبب فتح الباب لكل من هب ودب , واعتقد انه لو يتم فرض اجازات للعمل كمصور مع فرض تحصيل اكاديمي او الدخول في دورات في فن التصوير كي ينحصر العمل بمن يملك المؤهلات , بالعكس واقع اليوم والذي تسبب بانحصار الرزق والاساءة للمهنة من بعض الطارئين ! فالحال تغير عن الأمس والمدخولات تنحسر سنة بعد أخرى , وبعض أصدقائي بنفس المهنة تركوا العمل واتجهوا لمجالات اخرى.

سأتجه لبيع البقوليات بدلا عن التصوير

اما المصور نصير سعد فيقول: سعيت بكل ما أملك كي اصمد بوجه التحديات التي تواجه مهنتي كمصور , فالايرادات التي تدخل لي أصبحت قليلة بالمقارنة مع السابق بفعل كثرة عدد المزاولين للمهنة وضعف الامكانات في مواكبة كل جديد فأسعار الكاميرات الحديثة غالية جدا , حاولت بما املك أن أجدد محلي, لكن النتائج ليست كبيرة, أفكر جديا بترك المهنة ومزاولة مهنة جديدة تحقق لي إيراداً اكبر حتى لو ابيع البقوليات.
ثم التقينا ببعض المواطنين لأخذ آرائهم حول الموضوع:

انها مهنة تقاوم الزمن

ماجد نجم، طالب جامعي، يقول: اعتقد أنها مهنة ستقاوم الزمن فحتى مع التطور الكبير للموبايلات لكنها بقيت وصمدت بسبب حاجة الناس اليها خصوصا ان المصور يملك خبرة وفناً وذوقاً يختلف عن الانسان العادي, وهي تتطور اليوم مع الزمن فالمصور اليوم وعدته وجوانب مصادر الرزق تختلف عن المصور في تسعينات القرن الماضي , مما يدلل على انها مهنة قابلة للتطور والتفاعل مع الزمن.
وتضيف ام محمد، موظفة: انها مهنة لا تزول، تبقى لاحتياجنا الدائم لها فمع التطور التكنولوجي وظهور الموبايلات الذكية, وسهولة الحصول على كاميرات حديثة بتقنية عالية, بالاضافة لسهولة شراء طابعة, وكل هذه الامور لم تستطع ان تلغي وجود مهنة التصوير بل على العكس ازداد عدد المزاولين لها. فقط نتمنى من الحكومة ان توفر فرصاً للتطوير عبر توفير قروض ميسرة للمصورين.

البطالة هي السبب

وتضيف الآنسة مها الطائي، طالبة ماجستير: بعض المهن لها ظهور في واقعنا بسبب البطالة!، فلولا البطالة لما فتحت أبوابها ومنها مهنة التصوير, فالبطالة تدفع البعض ليفتتح أستوديو تصوير بسبب احتياجها لرأس مال صغير ومهارة ممكن الحصول عليها.. وهذا تسبب بضياع المهنة على يد الطارئين عليها، مما أفسد الجو العام وألصق التهم بالمهنة ككل, فلو تم القضاء على البطالة لامكن ان تزول الكثير من المظاهر السلبية التي تعاني منها مهنة التصوير اليوم.

الحصار في التسعينات طور المهنة

أما الأستاذ محمود الكناني فيقول:  بعد فرض الحصار تفنن العراقيون في طرق كسر الحصار وتحقيق مورد اضافي. ومن طرق كسر الحصار اللجوء لمهنة التصوير كحل وقتي خصوصا انها في ذلك الوقت لا تحتاج للكثير فقط كاميرا وديكورات. والحقيقة مهنة التصوير  أنقذت العديد من العوائل من الضياع  لأنها تمكنهم من توفير احتياجاتهم. وقد تطورت المهنة كثيرا في تسعينات القرن الماضي بفعل التنافس والسعي لكسب الرزق في زمن الاجتهاد بحسب الامكانيات المحلية. وحتى بعد التغيير ودخولنا عصر التكنولوجيا فانها باقية تواكب التطور .

لأنه مصور

اما المواطن  ناجي الحسني فيقول : قصة صديقنا ميمون دوما نتذكرها ونقول تنفع ان تصبح رواية او قصة فيلم فبعد قصة حب طويلة قرر ان يتقدم لخطبة الفتاة التي أحبها لكنه تفاجأ بالرفض والسبب فقط لانه مصور! وهم عائلة غنية فقالوا  لا يمكن ان ترتبط عائلتنا بشاب مصور ! وحاولنا مع صديقنا تغيير رأي العائلة لكن والد الفتاة أصر على الرفض! فعاش صديقنا فترة طويلة من الحزن والسبب مهنة التصوير, وأضاف: بعض الاحيان، الناس تتصرف بشكل غريب مع المهن حيث تنظر الى بعض المهن نظرة دونية رغم أن مهنة التصوير مهنة جميلة وحضارية.


يصور الفتيات وبعدها يبتز بالصورة

وكان للمواطن مرتضى العبادي رأي مهم فيقول: ما زالت قصة مصور في حينا حديث الناس حتى بعد مرور ثلاث سنوات, حيث كان هذا المصور بعد ان يصور الفتيات يطبع نسخاً له من صور البنات بالإضافة لوضعه كاميرا في الغرفة الخاصة بتعديل المكياج والملابس وقد التقط عدة صور لبعض الفتيات وهن يغيرن ملابسهن، قبل اخذ الصور كأن تخلع العباءة او الحجاب, ثم يقوم بابتزازهن بما يملكه من صور , الى ان حصلت قصة كبيرة انتهت بفصل عشائري وطلاق فتاة من زوجها وإلزامه بالانتقال الى مكان آخر. وأضاف: قضية اخلاق المهنة من الضروريات التي يجب ان تتواجد.
 
غياب أخلاق المهنة

وتضيف المواطنة ام يونس، ربة بيت: كل مهنة تحتاج للأخلاق كي نحفظ حقوق الناس من التجاوز, لكن مع الأسف بعض المصورين يستغلون مكان الرزق للتحرش بالنساء, والقصص كثيرة ومتداولة عن الافعال المشينة التي يقوم بها بعض المصورين تجاه النساء وهم من شوه سمعة المهنة, فالمهنة يجب أن تلتزم بأخلاقيات المجتمع, والنجاح طريقه الالتزام بالمهنة فقط كمهنة للرزق وليس للاصطياد في الماء العكر.     

في الخارج التصوير مهنة مرموقة

رافد حميد، رسام، يقول: في العالم الغربي، للمصور مكانة مرموقة جدا , فهي مهنة مطلوبة في حياتهم.. الصحف, والمواقع, والقنوات, وشركات التصميم, والطباعة, والقانون ينظم عملهم من حيث الحقوق والاجور .. لكن هنا لا شيء من هذا , فلا توجد مجالات واسعة للمهنة , وكذلك لا يوجد قانون يحفظ الحقوق ويرفع من الاجور ويطور المهنة حيث يسهل للصحافة والفضائيات والمواقع الحصول على الصور لعدم وجود قانون يحمي الحقوق .   

قضية عشائرية بسبب مصور

يقول محسن حيدر: قبل سنتين حصلت قضية عشائرية بسبب مصور, حيث وجد الاب ان ابنته تملك صوراً بوضعيات تشبه وضعيات صور الفنانات مع ملابس مثيرة , فتعجب الاب من تصرف ابنته وهو متشدد كثيرا فقام بضربها الى ان اعطته عنوان المصور, فذهب هو وأبناؤه وأخوته وتشاجروا معه وكسروا أجهزة التصوير, وهددوه ان لم يأت بكبار عشيرته , وحاول ان يخبرهم انه صور حسب الطلب وليس باختيار منه!.
وأضاف: ان مشاكل المصورين كثيرة بسبب احتكاكهم المباشر مع النساء وفي ظل طبيعة مجتمعنا الشرقي , لذا اعتقد أننا نحتاج الى وضع آلية معينة تضمن عدم الشعور بالخوف والقلق.

حب بعد صورة

حميد الساعدي، موظف حكومي  يقول: اتذكر قصة صديقي نعيم  البائس حيث كان يعاني من عدم قدرته على الارتباط بأي فتاة الى ان قرر ترك مهنته في تصليح بعض الأجهزة الكهربائية وقرر فتح استوديو التصوير فتبدل حاله حيث انه بسبب صورة وجد شريكة حياته وتمت الخطبة والزواج وهو اليوم يعيش بعيدا عن كابوس السنوات بفضل مهنة التصوير, وهنا يمكن ان نقول ان مهنة التصوير نقطة مضيئة بحياة نعيم المسكين . 
في الختام: انها مهنة ارتبطت بالذاكرة العراقية, فهي من وثق اجمل اللحظات , وهي من كانت خير عون للكثيرين في زمن محنة الحصار, واليوم مهنة التصوير تحتاج الى تقنين كي يمكن تنظيم عملها, فهناك بعض المشاكل التي يعاني منها المصورون انفسهم والتي تخص تطوير الخبرات واحتياجهم للتكنولوجيا. بالإضافة لأهمية التزام المصورين بأخلاقيات المهنة وهذا الالتزام يحتاج لتفعيل نظام رقابي فعال من جهة تهتم بتطوير المهنة مثل نقابة للمصورين . والافكار ممكنة وسهلة ومتيسرة لو كانت هناك ارادة لتنظيم حياتنا والرقي بكل جوانبها من قبل الحكومة والنخب والناس.
  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: من الصور الشمسية الى الملونة مهنة التصوير.. تحديات وقصص لا تنتهي Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى