مقالات العام

دور النقابات في اقتصاد السوق ........... جمال احمد




لقد شهد العالم ولادة الحركات النقابية منذ بداية القرن التاسع عشر بشكل منظم بعد
انتقال المجتمع البشري من مجتمع الإقطاع إلى مجتمع الرأسمالية.
وتعد النقابات أكبر منظمات المجتمع المدني في العصر الحديث، كما تعد من أهمها شأنًا
وأكثرها نفوذًا، حيث لعبت دورًا أساسيًا في قيادة الطبقة العاملة بوضع حدٍ لأشكال الاستغلال
وابتزاز العمال ورفع الظلم وحالات الاضطهاد عن جماهير العمال، عندما استهدفت إنقاذ
الطبقة العاملة من الاستغلال الرأسمالي الذي كان يهدد إنسانيتها ويودي بكرامتها.
وقد استطاعت هذه الحركات النقابية في معظم دول العالم أن تنظم صفوف الطبقة العاملة
وتقود نضالها وأن تجعل من شروط العمل أكثر إنسانية.
ووصلت الحركات النقابية في العالم أيضًا إلى أوج قوتها وعظمتها في القرن العشرين
حيث كانت تشكل اللبنة الأساسية في بناء الاقتصاد والعمل والإنتاج ورسم السياسات
الاقتصادية والاجتماعية للعديد من الدول إلا أنه وبعد انهيار منظومة دول اليسار العالمي
وسقوط جدار برلين شهد العالم تغيرات وتبدلات عميقة ومتسارعة اقتصادية وسياسية
واجتماعية. وكان تأثيرها كبيرًا إلى حدٍ ما على الدول النامية والتي لم يكتمل بناؤها بعد،
ومنها الدول العربية.
وقد لامست تلك التغيرات أوضاع العمال ودور الحركات النقابية نتيجة الخلل الكبير في
ميزان القوى لصالح رأس المال الذي امتلك بعد هذا الانهيار كل عوامل القوة إضافة إلى
حرية التنقل في ظل انفتاح الأسواق حتى أصبح أكثر قدرة على التهرب من الالتزامات
الاجتماعية والضريبية والتأمين على العمال.
وشكلت ظاهرة التفاوت الطبقي وتدمير الطبقات الوسطى في أغلب بلدان العالم إحدى
المظاهر الصارخة لليبرالية الجديدة وعولمة الاقتصاد، ولقد اتخذت هذه المظاهر شكلاً مأساويًا في بلداننا والبلدان النامية بعد ظهور رأسمالية طفيلية هامشية انتهازية استفادت من هذه التحولات بطرق مختلفة وكونت ثروات طائلة على حساب الفقراء وجماهير العمال حتى في الشركات الكبرى ودولها..، التي قادت إلى إضعاف الكثير من الدول..، لأنها أكثر البلدان تقدمًا وازدهارًا.

ثم تتالت وصفات البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ووفاق واشنطن، ونصائح
الشركات الكبرى ودولها..، التي قادت إلى إضعاف الكثير من الدول..، لأنها تريدها كذلك،
أي دول ضعيفة هزيلة مهمشة، في مواجهة مخططاتها واستراتيجيتها دون النظر إلى الشعوب
التي تسقطها من حساباتها نهائيًا.
تلك هي حقيقة الليبرالية الجديدة المتوحشة والجامحة بلا ضوابط بعد أن تكشفت
مساوئها، وما جرته من ويلات في البلدان النامية، عرضت مكاسب العمال للضياع وصعدت
من الفقر وقضت أو كادت تقضي على ما أحرز من تنمية إنسانية في أكثر من بلد بما فيها
البلدان المتقدمة التي تصعدت فيها البطالة واشتد خلالها العداء للمهاجرين وللمنظمات المدنية
في مجتمعاتها، وإن غياب سلطة القانون والضوابط في اقتصاد السوق قد أدى إلى بروز
فضائح مالية وانحرافات قانونية، رافقت عمليات الخصخصة وانهيار القطاع العام.
والمعروف أن كثيرًا من البلدان النامية قد رضخت لتلك الوصفات وتبنت سياسات
ما يعرف (بتوافق واشنطن وما بعده) وانتهجت حزمة من السياسات الاقتصادية والمالية
تتمحور حول:
ــ الخصخصة بجميع أشكالها وإلغاء دور القطاع العام .   
ــ تحرير التجارة والخدمات  .
ــ إلغاء الضوابط المنظمة للحياة الاقتصادية  .
ــ تقليص دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع إلى أدنى حدود .
نحن نلاحظ أن انتهاج هذه السياسات قد أدى بالدول التي سارت بموجبها إلى المزيد
من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وإلى التفكك والضعف وعدم القدرة على أمن
المواطن والوطن.
وغني عن القول أن هدف الليبرالية الجديدة أن تقوم الدولة بتفكيك نفسها لتسلم مهامها
وظائفها الواحدة تلو الأخرى ليتولاها القطاع الخاص والشركات متعددة الجنسيات تحت مختلف الادعاءات وأن تلك الشركات تفرض هيمنتها الاقتصادية التي تتجاوب مع مصالح الدول الكبرى ونهب ثروات البلدان النامية على حساب الأولويات الاقتصادية والاجتماعية لهذه البلدان.
هذه المتغيرات وضعت الحركات النقابية في العالم أمام مهمات جديدة تفرض عليها
تغيرًا في البعض من أساليب عملها وأدوات نضالها. لذا من الضروري أن يتواكب عمل
النقابات والتحولات الجارية وتغيّر من اقتراباتها وطرق وأساليب عملها، وتحدد استراتيجيات

جديدة للعمل النقابي تتناسب والمتطلبات الجديدة. وذلك بغية التخفيف من الآثار السلبية
لهذه المتغيرات .
ِ
  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: دور النقابات في اقتصاد السوق ........... جمال احمد Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى