مقالات العام

دور تشريعات العمل في تعزيز الحوار الاجتماعي .... غسان سعيد

من أجل توفير ركائز الحوار الاجتماعي لا بدّ أن ننطلق بداية من تأمين أرضية صلبة لهذا الحوار بدءاً من تطوير تشريعات العمل وتحديثها كي تتواءم مع معايير العمل العربية والدولية. إذ لا يمكن الحديث عن الحوار الاجتماعي الحقيقي ما لم تتوفّر له الدعائم الأساسية من تشريعات العمل الوطنية وتحديداً الركيزة الأولى والأهم وهي ضمان الحريات النقابية واحترامها حيث لا يمكن أن يقوم حوار بنّاء بين الحكومات وأصحاب العمل والعمال ما لم تتوفّر لهذه المنظمات النقابية المشروعة التي يقرّها القانون معترف بها وتتمتع بالقدر الكافي من الحرية في ممارسة نشاطها النقابي. وذلك من خلال سنّ تشريعات وقوانين عمل جديدة وإحداث هياكل فاعلة للحوار، ومن أجل تشجيع الحوار الثلاثي وتفعيل المفاوضات الجماعية وهي جوهر الحوار الاجتماعي بما يتميّز به من مشاركة فعلية لأطراف الإنتاج في تحديد علاقات العمل القائمة بينهم، ولما لها من انعكاسات إيجابية على تطوير التشريعات العمالية وتحسين شروط العمل وظروفه والحفاظ على سلامة المناخ الاقتصادي والاجتماعي.

إن مظلة تشريعات عمل واضحة هي شرط أساسي من شروط الحوار الاجتماعي، ذلك أن الحوار الاجتماعي لا يمكن أن يستند فقط على رغبات الأطراف وحسن النوايا أو حل المشكلات الطارئة، بل يجب أن تضمنه التشريعات العمالية - الوطنية سواء كانت تلك التشريعات متعلقة بكل طرف على حدة أو بعملية تنظيم الحوار وتحديد أدواته وآلياته وكيفية إدارته. فالمفاوضات الجماعية هي عنصر أساسي من عناصر الحوار الاجتماعي وإذا كانت عملية التفاوض الجماعي غير مضمونة في تشريعات وقوانين العمل فإن الحوار لا يمكن أن يتقدّم ويحقق أهدافه.
كما أن الحوار الاجتماعي الحقيقي يتطلّب وجود أطراف إنتاج حقيقيين متضامنين وموحّدين، فالنقابات العمالية الضعيفة والمشرذمة غير الممثلة تمثيلاً فعلياً وصحيحاً للعمال تصبح غير مؤهلة للمشاركة في عملية الحوار ولا تحظى بالموقع المؤثر والفعال لدى أطراف الانتاج الآخرين، الدولة وأصحاب العمل، والتي تعتبر العنصر الرئيسي في إدارة الحوار الاجتماعي الذي ينظمه القانون من خلال تشكيل لجان الحوار الخاصة بكل موضوع كتحديد الحدّ الأدنى للأجور وزيادة غلاء المعيشة من خلال لجنة ثلاثية متخصّصة كما هي الحال في لبنان، حيث تدعى "لجنة مؤشر غلاء المعيشة وزيادة الأجور" لتبحث بشكل دوري أو كلّما دعت الحاجة، في نسب غلاء المعيشة وتقلبات الأسعار من أجل تصحيح الأجور وفقاً لزيادة معدلات التضخم، وكذلك التشريع الخاص المتعلق بالحوار المستدام حول الأمور المتعلقة بالشأنين الاقتصادي والاجتماعي والمتصلة بعلاقات العمل في لجنة معيّنة يرأسها وزير العمل وتضمّ ممثلين عن أصحاب العمل والعمال، وكذلك اللجنة الثلاثية المعنية بمتابعة مصادقة الحكومات على اتفاقات العمل العربية والدولية التي تقرّها مؤتمرات منظمة العمل الدولية ومنظمة العمل العربية، فضلاً عن اللجنة الخاصة المتعلقة بتطوير قانون العمل وتحديثه، وكذلك اللجان المتصلة بحل نزاعات العمل الجماعية وتسمى اللجنة التحكيمية للنظر في حل الخلافات الجماعية إضافة إلى مجالس العمل الثلاثية التشكيل لفضّ نزاعات العمل الفردية. غاية هذه اللجان والتي تمّ الإشارة إليها، تعزيز الحوار الاجتماعي وتطبيق القوانين المرعية الإجراء.
كما أن تشريع قانون الضمان الاجتماعي هو ركن أساسي في تأمين الحماية الاجتماعية وتعزيز الحوار الاجتماعي والحماية الاجتماعية بما يؤمّن الاستقرار الاجتماعي لأوسع شريحة من شرائح المجتمع وهي العمال، وذلك من خلال إنشاء الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي يشارك أطراف الإنتاج الثلاث في إدارته وتطوير أنظمته كصندوق تعويضات نهاية الخدمة الذي يجري العمل من أجل تحديثه لتتحوّل إلى صندوق للتقاعد والحماية الاجتماعية... وكذلك قانون طوارئ العمل والأمراض المهنية وغيرها من التشريعات التي تعزّز الحوار الاجتماعي وتحقّق الأمن الاجتماعي.
تبقى كلمة أخيرة حول دور النقابات العمالية في التأثير على تشريعات العمل ورعاية مصالحها من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية وهو الدافع الأول لتعزيز الحوار الاجتماعي، لا سيما أن العمال هم الأطراف الرئيسية المعنية بنتائج هذا الحوار والذي لا يمكن أن يتحقّق بدون نقابات عمالية موحّدة ممثلة لعمالها وقادرة على حماية مصالحهم الرئيسية، وفي مقدّمها الحقوق والحريات النقابية والتفاوض الجماعي والحماية الاجتماعية والتأمينات الاجتماعية والسلامة والصحة المهنية التي هي رأس مال العمال وصولاً إلى العمل اللائق والأجر العادل وحماية الحدّ الأدنى للأجور والمساواة في العمل وحقوق المرأة ومكافحة عمالة الأطفال فضلاً عن التكوين المهني لمكافحة البطالة وتأمين فرص العمل...
لقد تزايدت أهمية التشريعات العمالية في زمن العولمة وإملاءات البنك الدولي وشروط صندوق النقد الدولي من أجل خصخصة القطاع العام وانسحاب الدولة من دورها في الرعاية الاجتماعية، ما يستوجب وحدة العمال وحركتهم النقابية في مواجهة هذه المخاطر.

  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: دور تشريعات العمل في تعزيز الحوار الاجتماعي .... غسان سعيد Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى