مقالات العام

اللاأبالية والإهمال والتقصير وسوء الإدارة وراء وفيات عمال الحديد والصلب في البصرة ... د. كاظم المقدادي*

بعد التغيير الذي حدث في العراق في عام 2003 طالب العديد من الباحثين، ونحن من أوائلهم، بتأسيس وزارة للبيئة، طامحين ان تقوم بدورها المطلوب  في معالجة المشكلات البيئية القائمة في العراق، اَملين ان تعتمد  ومؤسساتها الأدارة البيئية الحديثة في تنفيذ برامجها ومهماتها، ولاسيما وان العالم المتمدن يمتلك خبرة غنية  في تطبيقات الإدارة البیئیة، وقد أصبحت مسألة أستراتیجیة وجزءاً متكاملاً من النظام الإداري الإجمالي للمنشاَت والمؤسسات والمنظمات الطامحة بتحقيق التنمية المستدامة.
بيد ان السنوات العشر المنصرمة من عمر العراق ( الجديد) شهدت للأسف مواصلة الأداء البيئي المتخلف وسوء الأدارة البيئية والصحية،الى جانب اللاأبالية والأهمال والتقصير، فأفرز ذلك نتائج وخيمة ضحيتها الأولى العراقيون الأبرياء وفي مقدمتهم براعم حاضر ومستقبل العراق- أطفاله.ولعل  إحدى هذه النتائج هي ما كشف مجلس محافظة البصرة النقاب عنه قبل أيام وهو وفاة 31 عاملاً من مجموع 68 مصابا بالسرطان من عمال معمل الحديد والصلب، الذين تعرضوا الى اشعاعات اليورانيوم.وذلك لإستخدام المعمل كمادة اولية في صناعاته المختلفة أكواما كبيرة ?ن المخلفات (السكراب) التي تضم آليات عسكرية ثقيلة تابعة لجيش النظام السابق التي دمرتها القوات الأمريكية بقذائف اليورانيوم (1). إن المالكي وحكومتيه، وخاصة وزارات الصناعة والمعادن والبيئة والصحة، تتحمل المسؤولية الكاملة عن إصابة وموت العمال المذكورين بالسرطان الناجم عن إشعاعات اليورانيوم، وذلك لإهمالها للتحذيرات العلمية المؤكدة لخطورة مخلفات الحرب الملوثة بالأشعاع، وإستهانتها بها، ناهيكم عن درئها، فضلآ عن تسترها على الأسباب الحقيقية للأصابات والوفيات السرطانية هناك، وهي التي تجاهلت بصلافة مبادرات علمية قدمت ل?ا للتخلص من ركام الحرب، ومنها المشروع الخاص لطمر نفاياته المشعة، الذي قدمته ورشة العمل الدولية التي نظمتها الجامعة التكنولوجية في "لوليو" بالسويد.وقبل ذلك أهملت المشروع الذي تقدمت به جامعة أوهايو الأمريكية للمساعدة في دراسة ومعالجة التلوث باليورانيوم المنضب، مثلما أهملت نتائج العشرات من البحوث والدراسات العلمية،الأجنبية والعراقية، في هذا المضمار.
ويذكر أننا لفتنا الأنتباه مراراً الى خطورة الحديد الخردة المضروب بأسلحة اليورانيوم، ودعونا الى رفعه فوراً وطمره بعيداً عن المناطق السكنية والحقول والمزارع، وإنتقدنا عدم التعامل مع هذه المشكلة الخطيرة بشكل إستثنائي وجدي وفاعل.وأخذنا على قرار مجلس الوزراء بتشكيل لجنة مركزية تقوم بتجميع الحديد السكراب ونقله الي معامل الحديد والصلب في البصرة وشركة الصمود العامة للصناعات الفولاذية في التاجي، للاستفادة منه في إعادة التصنيع،وذلك لعدم تحديد التخلص من السكراب الملوث إشعاعياً كهدف أول لعملية التجميع. وحذرنا من مغبة ?جاهل التحذيرات العلمية التي تعتبره خطراً جدياً،بيئياً وصحياً ، حتى في حالة صهره وتحويله الى مواد أخرى.ولذا، منعت الدول المجاورة دخول السكراب العراقي إليها (2). وأكد ما ذهبنا إليه وحذرنا منه علماء وخبراء في طب المواد المشعة، مبينين بان إستخدام المعدات العسكرية المضروبة بذخائر اليورانيوم والأقتراب منها يشكل تهديداً لصحة الأنسان، راهناً ومستقبلاَ (3).
وبدافع الواجب الوطني والمهني والأنساني كررنا في وسائل الأعلام المختلفة وفي مؤتمرات وندوات علمية تحذيراتنا من تحول ركام الحرب- من مدرعات ودبابات ومركبات واَليات ومدافع وراجمات ودشم- المضروبة بقذائف اليورانيوم المشعة أثناء قصف القطعات العسكرية العراقية في الحرب الى حديد خردة خطير جداً، وذلك لتلوثه إشعاعياً، مستندين الى نتائج أبحاث ودراسات ميدانية علمية أجراها في جنوب العراق علماء أجانب، وفي مقدمتهم العالم الكندي Hari Sharma والعالم البريطاني Chris Busby، والدراسة الميدانية والقياسات الأشعاعية الواسعة التي أجراها الفريق العلمي للمركز البحثي الدولي المستقل Uranium Medical Research Center والتي شملت بغداد وضواحيها وكافة مدن وسط وجنوب العراق حتى أبي الخصيب، ووجدت نسب التلوث الأشعاعي 10 - 30 ألف ضعف الحدود المسموح بها دولياً (4). وأثبتت الدراسات الميدانية وجود معدلات عالية من الأشعاع والسموم الكيميائية في ركام الحرب المنتشر في أرجاء العراق.
وأعلنت وزارة البيئة العراقية تحديد أكثر من 315 موقعاً ملوثة باليورانيوم منتشرة في مناطق عدة من بغداد والمحافظات (5)، بينما قدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة عدد المواقع الملوثة الساخنة بالآلاف (6). وكثيراً ما إشتكت الدوائر البيئية في المحافظات العراقية من وجود مئات المواقع الملوثة بالإشعاع والقريبة من المناطق المأهولة بالسكان وتأثيرها على حياتهم اليومية. وكشفت دراسة عراقية رسمية، شاركت في إعدادها وزارات: البيئة والصحة والعلوم والتكنولوجيا، وجود اكثر من 40 موقعاً ملوثاً بمستويات عالية من الاشعاع وسموم ديوكسين?تقع 25 في المئة منها داخل وحول مدن النجف والبصرة والفلوجة وفي مناطق تقطنها مجتمعات شهدت نسباً مرتفعة من الإصابات بالسرطان والولادات المشوهة.وتحتوي ساحات الخردة المعدنية في بغداد والبصرة وحولهما مستوى عالياً من الإشعاع المؤين، وصنفت الهيئة العراقية للتخلص من المواد النووية 10 مواقع تحتوي على مستويات عالية من الإشعاع، كانت تضم 3 مفاعلات نووية في منشأة التويثة، إضافة الى مواقع كانت تنتشر حول العاصمة تعرضت للقصف أو جرى تفكيكها (7).
وكشف مسح جوي أنجزه فريق أجنبي متخصص وجود اكثر من 143 موقعاً ملوثاً باليورانيوم، في 7 محافظات، منها: 16 موقعاً في ديالى، واكثر من 20 موقعاً في بابل،و 11 موقعاً في واسط،، و 14 موقعاً في ميسان، و 22 موقعاً في البصرة، و 20 موقعاً في الناصرية، وأكثر من 40 موقعاً في بغداد (8).
ورغم كل هذا،لم تتخذ الحكومة، متذرعة بحجج مختلفة، إجراءات جدية لتنظيف وعزل سوى 10 بالمئة فقط من المناطق الملوثة (9)..وأقر مركز الوقاية من الإشعاع بانه " لم يتم مسح أكثر من 80 في المائة من العراق. وقد ركزنا على المواقع التي أصيبت بالتلوث بسبب الحرب، والمشكلة الكبرى التي تواجهنا هي عند سحب الدبابة المدمرة نجد آثار إشعاع جلية، ويتطلب التخلص من التلوث في هذه المواقع وقتا غير قصير"(10).
وهكذا، لم يتم رفع السكراب الملوث من المناطق السكنية والحقول، ولم يتم منع الأقتراب منه في وقته، ولم يتخذ أي إجراء جدي وفاعل لدرء مخاطره، وكل ما تم هو تجميع قسم منه في "مقابر" ليست بعيدة عن المناطق السكنية، تركت دون حراسة، ولا مراقبة، فلعب مئات الأطفال فوقه وحوله، وتضرروا فيما بعد بايولوجياً. وجرت أمام الجميع عملية واسعة ومنظمة لتفكيك أجزائه ونقلها والمتاجرة بها كخردة ساهمت بنقل الأشعاعات الى المدنيين، وحتى الى خارج الحدود.وأهملت بشكل صارخ المطالبات بمنع إستخدامه وتدويره، وضربت عرض الحائط التحذيرات العلمية ب?ن التلوث بإشعاع اليورانيوم المنضب يدوم ملايين السنين، وسيبقى السكراب الملوث به يشكل خطراً بيئياً وصحياً على المجتمع مدى الحياة. والأهمال والتجاهل هو المسؤول عن دخول الملوث منه إشعاعياً في صناعات محلية عديدة، وفي بيوت كثيرة، ولامسه الآلاف،  وما سببه من أمراض كثيرة وخطيرة لمن تعاملوا معه أو إقتربوا منه..سوف لن تقتصر عليهم، وإنما ستنتقل الى ذريتهم.
أن ما حصل لعمال معمل الحديد والصلب في البصرة  كان متوقعاً، وقد  حذرنا من وقوعه بوضوح حتى في مجلة وزارة البيئة.. لكن حكومتي المالكي ووزارات البيئة والصحة والصناعة والمعادن، تجاهلت كل التحذيرات العلمية الرصينة وفرطت بصحة وحياة المواطنين، ولذا فهي تتحمل كامل المسؤولية، ومن حق الضحايا وذويهم محاسبتها ومساءلتها  قضائياً لتنال الجزاء العادل..
فهل سيتحرك ممثلو الشعب للوقوف الى جانب الضحايا ومحاسبة المقصرين ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أكاديمي عراقي مقيم في السويد
  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: اللاأبالية والإهمال والتقصير وسوء الإدارة وراء وفيات عمال الحديد والصلب في البصرة ... د. كاظم المقدادي* Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى