مقالات العام

أزمة البطالة في العراق إلى أين .. ؟ غسان سعيد

في ظل ما أقدم عليه معدو الموازنة الاتحادية لعام 2015 من عدم تقديم أي حل لاهم المشاكل التي يعاني منها مجتمعنا ومنها أزمة استفحال البطالة بين اوساط واسعة من شرائح المجتمع وبشكل خاص الشباب .
وحيث ان البطالة تعد من المشكلات الاقتصادية المستعصية في الدول النامية وبالذات في الدول العربية ، حيث قدرت منظمة العمل العربية عدد العاطلين عن العمل في الدول العربية بحوالي 2و 23 مليون عاطل في عام 2003 ، بمعدل بطالة يتجاوز 21% وذكرت المنظمة في تقريرها السنوي لعام 2003 ، ان اوضاع البطالة في الدول العربية هي الاسوأ بين جميع مناطق العالم وفي طريقها لتجاوز الخطوط الحمراء ، اذ يتجاوز معدل البطالة العام 20% واقرب المعدلات سوءاً هو في افريقيا جنوب الصحراء 4و 14% والبلدان الاشتراكية سـابقاً 5و 13% في حين لم يتجاوز هذا المعدل 7 و 6% في دول جنوب اسيا والبلدان الصناعية و 2 و4% لبقية مناطق اسيا . اما العراق الذي يعاني من اوضاع شديدة التدهور بسبب الواقع المرير الذي تعانيه مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية ، فقد شكلت البطالة احد ابرز الاولويات في اجندة الحكومة العراقية الحالية وخاصة البطالة في صفوف الشباب الذين يمثلون النسبة العظمى من اجمالي السكان اضافة الى اجمالي الناشطين اقتصادياً . وتتباين ارقام البطالة في العراق فقد اشارت نتائج مسح اجرته وزارة التخطيط والتعاون الانمائي بالتعاون مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في العراق الى ان معدل البطالة في العراق يبلغ 1, 28% عام 2005 في حين قدرت منظمة العمل الدولية نسبة البطالة ما بين الربع والثلث فيما تشير تقديرات اخرى الى انها تزيد على النصف . يرافق البطالة عادة تبعات سلبية ضارة على المجتمعات تهدد الاستقرار الاقتصادي والسلام الاجتماعي ، حيث تظهر تلك التبعات على شكل امراض اجتماعية ونفسية خطيرة تتحول مع الزمن الى انحرافات اخلاقية وسلوك اجرامي يصعب معالجته ، ومع ان العراق يمتلك موارد طبيعية وبشرية هائلة ومستقبل رئيس للعمالة العربية التي زادت عن (3) مليون عامل خلال عقد السبعينات الا ان المتغيرات الخارجية (الحروب والحصار) حولت الاقتصاد العراقي الى اقتصاد هش ومتداع وغير مولد لفرص العمل ، كان من نتائجه بروز مشكلة البطالة منذ بداية عقد التسعينات ثم تفاقمت المشكلة بعد عام 2003 لاسباب عديدة نعرض ابرزها بما يلي :
1- تفاقمت مشكلة البطالة في العراق نتيجة للاداء الاقتصادي المتراجع وعدم القدرة على تحقيق معدلات متقدمة من النمو الاقتصادي ، وفي نمط النمو الاقتصادي المرتكز على استغلال النفط .
2- الاثر السلبي لتحرير التجارة على القطاع الخاص العراقي . لاسيما في الزراعة والصناعة حيث تدنى كثيراً الانتاج الزراعي والصناعي نتيجة لفتح الحدود على مصراعيها ، وبدون ضوابط كمية اوكمركية ، امام تدفق سيل عارم من السلع الاجنبية المدعوم معظمها حكومياً مما اضطر العديد من المزارع والمصانع الى اغلاق أبوابها او تخفيض انتاجها وفي الحالتين تأثر الطلب على العمالة العراقية سلباً وفاقم من البطالة .
3- خصائص القوة العاملة العراقية التي ترتفع فيها نسبة الشباب والتي تفتقر الى التدريب اللازم لتلبية احتياجات سوق العمل .
4- الفساد الاداري المستشري في الاجهزة الرسمية والذي بدد اموالاً هائلة في مشروعات وهمية او قليلة الجدوى في استيعاب العاطلين عن العمل .
5- تلكؤ عملية اعادة اعمار العراق بحيث لم تستطع ان توفر اكثر من (20) الف فرصة عمل للعراقيين في مشاريع اعادة الاعمار من بين قوة عمل تصل الى (7) ملايين شخص .
6- ضعف فاعلية القطاع العام في توليد المزيد من فرص العمل نظراً لاغلاق العديد من المصانع الحكومية التي تعرضت لاعمال السلب والنهب والتدمير بعد نيسان 2003 من جهة وعدم توفر مستلزمات الانتاج الضرورية للمنشآت والمصانع الحكومية واهمالها بشكل متعمد من جهة اخرى .
7- حل الوزارات ( الداخلية والدفاع والاعلام ) وتوقف عمل بعض الوزارات كالتصنيع العسكري مثلاً .
8- الافتقاد الى استراتيجية اقتصادية واجتماعية واضحة المعالم ، وفي ظل عدم وجود توزيع عادل للدخل ، وزيادة عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر او يحومون حوله ، وبسبب عدم وجود استرانيجيات عمالية ، كلها ادت الى تفاقم الوضع المعيشي وتزايد نسبة البطالة في العراق .

افرزت مشكلة البطالة في العراق نتائج اقتصادية واجتماعية بالغة الخطورة يمكن تأشير ابرزها بما يلي :
1- تهميش جزء مهم من قوة العمل العراقية من خلال وضعها خارج العملية الاقتصادية المجتمعية ، وهذا يعد تبديداً لاحد مصادر الثروة في العراق التي كان بالامكان استغلالها في عملية تنمية وتطوير الاقتصاد العراقي .
2- التأثير السلبي للبطالة على السلام والاستقرار الاجتماعي في العراق ، حيث يتخذ مفهوم البطالة في بعض الاحيان مضموناً تدميرياً يستدعي بالتبعية تداعيات سيكولوجية خطيرة قد تصل الى حد تفتيت الهوية الوطنية للفرد ونقض عقده التشاركي مع المجتمع وحجره في زنزانة العنف الدفاعي الاعمى .
3- تؤدي البطالة الى تدهور مستوى معيشة الفرد العراقي وبالتالي تفاقم من ظاهرة الفقر في العراق الذي تجاوز فيه الفقر المطلق نحو 70% من اجمالي السكان خلال عقد التسعينات ثم انخفض الى النصف بعد ذلك .
4- ان البطالة في مقتبل الحياة العملية للشباب قد تلحق ضرراً بفرصهم في العمل والدخل مستقبلاً ، فضلاً عن ذلك ثمة ارتباط وثيق بين بطالة الشباب وإدمان المخدرات والجريمة وهما ضربان من السلوك غالباً ما تترتب عليهما تكاليف اجتماعية وشخصية باهضة .
5- تعمق مشكلة البطالة من نسبة الامية التي تصل في العراق الى نحو 40% بسبب زيادة عدد المتسربين من الدراسة وعدم الالتزام بقانون التعليم الالزامي .
6- تؤدي البطالة وبالذات بين الخريجين واصحاب المؤهلات العالية الى هجرة العديد منهم الى الخارج بحثاً عن فرصة العمل ، وهو ما يعد تبديداً لاحد اهم مصادر الثروة في العراق وبالتالي تبديداً للكفاءات الوطنية العراقية التي لا غنى عنها في تطوير الاقتصاد والمجتمع العراقي .

وبالتأكيد ثمة وسائل عديدة ناجعة لمعالجة مشكلة البطالة في العراق ، الا ان عدم وجود رؤية ساسية واقتصادية واجتماعية واضحة ومبدئية ومبرمجة ، أدت وستؤدي  إلى عواقب قد يصعب معرفة وتحديد نتائجها ما لم توضع البرامج الفاعلة والحيوية والعلمية والعملية لحل أزمة البطالة في عراقنا العزيز .
  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: أزمة البطالة في العراق إلى أين .. ؟ غسان سعيد Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى