مقالات العام

قانون التعرفة الكمركية وتأمين مستلزمات نجاحه ..... خاص : طريق الشعب

اصدر مجلس الوزراء في الأسبوع الماضي قرارا بالموافقة على استيفاء  التعرفة الكمركية في جميع المنافذ الحدودية بدون استثناء ، ومثلها الضرائب بما فيها ضريبة المبيعات على كارتات تعبئة الهاتف النقال وشراء السيارات بانواعها كافة، عملاً بقانون الموازنة العامة الاتحادية لعام 2015،   وابتداءً من اول آب القادم.
في ما يخص قانون التعرفة الكمركية فانه قد شرع عام 2010، لكن تم تأجيل العمل به تحت ضغط الأوساط التجارية واخطبوط المصالح المشتركة لمافيا الاسواق والفاسدين في اجهزة الدولة ، وبسبب الاعتراضات التي تثار ضد تطبيقه نظراً الى آثاره المباشرة في رفع اسعار السلع المستوردة في الأسواق.
وينص القانون على فرض رسوم كمركية على السلع المستوردة تتراوح معدلاتها بين واحد ومئة بالمئة. واحتوت ملاحق القانون على جداول بالسلع مصنفة إلى مجاميع مع معدلات  تعرفة مختلفة  مفروضة على كل مجموعة.
وكما في المرات السابقة التي اعلنت الحكومة فيها نيتها تطبيق القانون، قوبل القرار في هذه المرة ايضاً بحملة اعلامية وسياسية قوية تطالب بالتريث وتأجيل تطبيقه. ويتم في العادة سوق مبررات مختلفة لدعم هذه المطالبة، اهمها الاعباء التي سيرتبها  فرض التعرفة على المستهلكين، خصوصا الفئات الواطئة الدخل والفقيرة، والاضطراب في الأسواق الذي قد ينجم عن استثناء بعض المنافذ الحدودية والمحافظات.
في المقابل يمثل تطبيق القانون مطلبا رئيسيا للمنتجين المحليين في القطاعين الصناعي والزراعي، في سعيهم الى حماية المنتجات الوطنية من المنافسة غير المتكافئة مع السلع  المستوردة. كما انه يلقى الدعم والمساندة الواسعين من الأطراف والجهات الوطنية، نظراً الى كون المطلب يندرج ايضاً ضمن منظومة الاجراءات المطلوبة لدعم استراتيجية تنويع القاعدة الأنتاجية للاقتصاد الوطني وتخليصه من طابعه الريعي الشديد الذي يجعله مرتهنا بتقلبات اسعار النفط العالمية. كذلك يوفر فرض التعرفة مصدرا ايراديا مهما للموازنة العامة للدولة ، في ظرف ?ي احوج ما تكون اليه.
ايجابيات تطبيق القانون هذه، على اهميتها، لا تلغي الآثار السلبية المتوقعة على المدى القريب. وما لم يقترن تطبيق القانون بحزمة سياسات وتشريعات واجراءات تنظيمية وادارية ومالية تمكّن المنتجين الوطنيين في مختلف القطاعات الانتاجية والخدمية، من الاستفادة من الحماية التي يوفرها القانون في الارتقاء بمستويات الانتاج وبنوعية المنتج الوطني لتغطية حاجة السوق العراقية وطلب المستهلكين ، فإن الاضرار التي قد تنشأ لا تقتصر على ارتفاع الأسعار فقط، وإنما ستشمل ايضا  انتعاش التهريب والفساد، وظهور حالات شح في تجهيز السلع، واضطرار في حركة ونشاط الاسواق .
ويقف في مقدمة الاجراءات المطلوبة هنا لضمان نتائج ايجابية من تطبيق هذا القانون، تطبيق قانوني حماية المنتج الوطني وحماية المستهلك، وتقديم الدعم المادي والقروض الميسرة للقطاعات الانتاجية في ميادين الزراعة والصناعة، نظرا للتلازم  والتكامل الموجود بين هذه الاجراءات الاربعة.
ولا بد ان يقترن تطبيق القانون بالاسراع في تحقيق الاصلاحات التي تدعو لها استراتيجيات تطوير القطاع الصناعي والنظام المصرفي والاصلاح المالي والاداري وغيرها .  ومن اهم الاجراءات الملحة، تعزيز موارد المصارف المتخصصة وتبسيط اجراءاتها، وبشكل خاص المصرف الصناعي والمصرف الزراعي .
ولعل من اهم مصادر الارباك والاختلال المتوقعين في النشاطين التجاري والاقتصادي، ما قد ينشأ من عدم شمول تطبيق القانون جميع المحافظات. حيث ستنشأ حالة عدم توازن، وتفاوت، في تكاليف استيراد السلع لها تداعيات على عموم حركة النشاط الاقتصادي واحوال المواطنين في المحافظات. والمؤمل أن ما اعلن عن التزام حكومة الأقليم بقرارات مجلس الوزراء والتنسيق المسبق بين الحكومة الاتحادية وحكومة الأقليم، قد يوصل إلى معالجات ملموسة وجادة لهذا الجانب.
وفيما يصعب تجنب او منع ارتفاع الأسعار بقدر معين اثر تطبيق التعرفة، فان من الممكن التخفيف من آثار الارتفاع على الفئات الضعيفة والفقيرة، عن طريق خفض معدلات التعرفة على السلع الأساسية التي تدخل ضمن بنود انفاق موازنة الاسر ذات الدخل الواطئ، اضافة إلى منح دعم مناسب لها في اطار نظام الحماية الاجتماعية.
كما ان على الجهات الرسمية المسؤولة عن ادارة التعرفة الكمركية، باعتبارها احدى ادوات السياسة المالية، ان تحرص على عدم حدوث فروقات وتباينات كبيرة في اسعار السلع في العراق وفي دول الجوار منعا او تجنبا للتهريب. ولا بد من تنظيم العلاقة بصورة افضل بين الأجهزة الحكومية التابعة لوزارات المالية والداخلية والصحة والتجارة والتخطيط، المسؤولة عن المنافذ الحدودية، ومن اجل تأمين الادارة والرقابة الفاعلتين والضروريتين لتطبيق التعرفة، كذلك الاهتمام بتدريب وتأهيل العاملين فيها لتمكينها من حسن تنفيذ القانون وتطبيق التعليمات.
ومن الناحية الاقتصادية، معروف أن ارتفاع الأسعار سيتم لمرة واحدة، وبالتالي لا تعتبر التعرفة مصدرا مستمرا للتضخم. وإلى جانب ذلك ينبغي تأكيد ضرورة تقليص الاستهلاك المفرط،  لصالح الادخار والتوظيف الاستثماري الضروري لدفع عملية التنمية إلى أمام من دون المساس بمستوى معيشة غالبية المواطنين.
ومن الغريب أن تطالعنا أخبار عن اكتظاظ الشاحنات في بعض المنافذ الحدودية في وسط وجنوبي العراق بسبب عدم امتثال التجار لتطبيق التعرفة، وعن تحولهم إلى المنافذ الحدودية في اقليم كردستان غير المشمولة بالقانون، في الوقت الذي ينص فيه قرار مجلس الوزراء على عدم استيفاء الرسوم قبل الأول من آب القادم. وهذا يؤشر وجود نوع من الافتعال والتأزيم غير المبرر للاوضاع، بغية تشديد الضغط من جديدعلى الحكومة لتأجيل تنفيذ القانون مرة أخرى.
ومعلوم ان قرار مجلس الوزراء قد نص ،ايضا،  على استيفاء ضريبة المبيعات على كارتات تعبئة الهاتف النقال وشراء السيارات بانواعها كافة، وقد سبق أن اوضحنا ونبهنا ألى  الطابع غير العادل للضرائب غير المباشرة ودعونا إلى اعتماد الضرائب التصاعدية التي تستثني الفئات الضعيفة الدخل.
لقد مضت قرابة خمس سنوات على اقرار قانون التعرفة الكمركية، وتم تأجيل تطبيقه لغرض توفير المستلزمات الضرورية لتأمين حسن تنفيذه. واليوم تعاد المطالبات نفسها، ونحن نتساءل: كم من سنوات التأجيل الأضافية نحتاج لكي نباشر تطبيق القانون؟
طريق الشعب .. الاحد 7 / 6 / 2015 
  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: قانون التعرفة الكمركية وتأمين مستلزمات نجاحه ..... خاص : طريق الشعب Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى