مقالات العام

الحركة العمالية في العراق.. نشأتها وتطورها / سالم محسن

مقدمة
الحركة العمالية العراقية لا تختلف كثيراً من حيث نشأتها و تطورها عن بلدان المنطقة ،أي أن الحركة النقابية صنعت تاريخها من خلال ما قدمته في الماضي من تضحيات جسيمة ،وأن الدافع وراء ذلك هو نيل الحقوق من دون نقص ،وأن هذه الحركة لم تكن بعيدة عن المفاهيم الفكرية والسياسية ،وهذا عائد إلى وجودها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي ..الخ ،علما بان العوامل الداخلية والخارجية تشترك في تكوين مسيرة الحركات العمالية والنقابية في المنطقة ،ولم يكن هناك تباين إلا في الشكليات لا غير .
إن هزيمة الدولة العثمانية 1914 -1919 م أمام القوات البريطانية شكلت مرحلة تاريخية جديدة للعراق ،ما جعل لذلك تأثيرا كبيرا على العمال في مختلف صنوف أعمالهم ،التي كانت تتوزع في ميادين بدائية صناعياً وزراعياً وتجارياً، بالإضافة الى دخول منشآت مثل خطوط السكك و الموانئ والنقل البري والمعامل الصغيرة المتفرقة هنا وهناك ، وبالرغم من ذلك، ظلت هذه الصناعة من دون وجود قوانين أو دستور يرسم هذه العلاقات ، حتى اكتشاف النفط عام 1927 م لتدخل الصناعة العراقية مرحلة تاريخية أخرى في حياة الأيدي العاملة ،وان تشكيل أول نقابة للصنائع عام 1929 (نقابة حرفية) يعبر عن ولادة طبيعية لما تمخض في تلك السنوات
الإضرابات العمالية
أن أصوات العمال بدأت تتعالى مع ازدياد الوعي تجاه ما تقاسيه من جوع وفقر وعوز واستغلال ،فقد كان الفارق الطبقي واضحاً بين الطبقة السياسية المتنفذة وبين الطبقة الفقيرة ،لكن انتصار ثورة " أكتوبر" الاشتراكية 1917 م وانتشار أهدافها التحررية الرافضة للسياسة الاستعمارية من قبل بريطانيا وحلفائها ،هذا ما أثر في الساحة آنذاك من خلال مجموعة من المثقفين العراقيين بدأت بنشر الفكر الاشتراكي ، وكان على رأس هؤلاء :حسين الرحال ،مصطفى علي ، ،سليم فتاح ،محمود شوقي الأيوبي ،محمود أحمد السيد ،عوني بكر صديقي ،عبد الله جدوع، وغيرهم. ولم تمض سنوات ، حتى انبثقت ( لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار) عام 1939م لتأخذ دورها المنشود ، وبدأ الفكر الوطني الداعي إلى الاستقلال ينتشر مابين أبناء الشعب من خلال الصحف والمنشورات ،في المقاهي و الندوات ، حتى غدت الرؤية واضحة لاسيما وأن ثورة العشرين مازال أوراها لم يخب ،لكن عدم وجود حلول جذرية جعل العراق مملكةً تابعة للتاج البريطاني بواسطة أحلاف كبلت الملك فيصل وجعلته في عزلة عن ما يعانيه الشعب، وان الحركة العمالية في كل هذا لا ترى مستقبلا في الافق ،حيث هيمنت الشركات الأجنبية على خيرات البلد ،مع انتشار البطالة وتشغيل العمالة الوافدة ،وان سلوك رب العمل سواء كان عراقياً أو أجنبياً لم يختلف في الجشع من أجل الربح السريع بشتى الوسائل ، كاستخدام السجناء والسخرة، علما بان الإضرابات التي كانت تحصل في مناطق العراق كانت تقمع بقسوة بالغة باستخدام الرصاص والضرب بالعصي والاعتقال والسجن ،و من ضمن هذه الإضرابات العمالية التي حدثت في العمارة 1917 م وفي البصرة عام 1918 م لكن هذه الإضرابات غالبا ما كان ينقصها التنظيم والقيادة و وحدة الأهداف، وهذا ما يشتت من قوتها المطلبية، وهناك إضرابات كثيرة في محافظات العراق قد فشلت لهذا السبب ، إلى أن جاء عام 1946 وحدث إضراب كاورباغي، الذي يشكل من حيث التنظيم ونوعيته مرحلة جديدة من النمو في الوعي والنضال العمالي ،بعدها صارت السنوات حبلى بالاحتجاجات و الإضرابات والتظاهرات لكافة القوى الوطنية والقومية التقدمية التحررية ، وبسبب ارتباط هذه الحركات بحركة التحرر العربية والعالمية. وما إن أُعلنت إسرائيل دولة يهودية على الارض العربية في فلسطين ،حتى هب شعبنا في نضالات متنوعة وتوج ذلك بإسقاط النظام الملكي وبذا تكون الحركة العمالية قد دخلت في أفضل فترة زمنية بعد ثورة 1958 م المجيدة ،وقد عبرت عن ذلك في مسيرة الأول من أيار عام 1959 وتأييدها للخط السياسي للثورة. وفي ظل وطنية المشروع السياسي لثورة 1958 المجيدة، وتبنيها لمشاريع التنمية والتطور في الصناعة والزراعة ،و إزالة الفوارق الكبيرة مابين الريف والمدينة ، وبناء العديد من المصانع والمعامل في كافة إرجاء البلاد، من اجل الارتقاء بمجالات الحياة ،وتوفير فرص عمل بإعداد هائلة ،وكهربة الأرياف ..الخ ،حيث أخذ يتبلور ظهور الطبقة العاملة بشكل جلي من حيث ارتباطها بالماكينة مع الوعي و المسؤولية الوطنية في المجتمع والحياة السياسية، وهذا الحال لم يرق لأعداء الثورة المتحالفين مع الدول الاستعمارية وأعوانها في الداخل والخارج ، ولم تمض السنوات ،حتى حدث الانقلاب 1963م الذي قاده القوميون،ليبدأ العد التنازلي للحركة العمالية و النقابية .
الحركة العمالية والنقابية من 1963 إلى 1968
أن العلاقة مابين الحركة العمالية و الأحزاب السياسية هي علاقة غير متساوية من حيث المنهج الفكري الذي تضطلع به هذه الأحزاب لكن الحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه عام 1934 م يرى بان الطبقة العاملة تشكل الوسيلة والغاية في نضاله السياسي ، وقد قدم في سبيل ذلك كوكبة من شهدائه لكي تبقى الطبقة العاملة في دور مؤثر في الفعل والقول في الشارع السياسي العراقي، وان تحقق التطور والازدهار طالما هي تشكل على ارض الواقع المحور في كافة نواحي الحياة، وبسبب خسارة الطبقة العاملة للكثير من قادتها النقابيين الذين كان اغلبهم من الشيوعيين ، في الإعدامات والتصفيات الجسدية وزجهم في السجون والمعتقلات، والمطاردات والفصل السياسي والإبعاد، الامر الذي كان له تأثير واضح على الوضع السياسي وأثر على استكمال المشاريع الصناعية الكبرى، وإذا كان لابد من كلمة فأن الوضع السياسي في العراق قد جعل العمل النقابي يخضع في هذه المرحلة لأمزجة ورغبات الحاكم و الحزب السياسي الماسك بالسلطة، وصارت الصناعة العراقية مقبلة على برامج غير مدروسة ، وبسبب الحسابات السياسية في الداخل والخارج تلقت الطبقة العاملة ومنجزاتها الوطنية الخسائر الواحدة بعد الأخرى بشكل تدريجي .
في الفترة مابين انقلاب 8 شباط عام 1963 حتى 1968 و الإطاحة بالحكم العارفي لم تكن هناك انتفاضات و إضرابات عمالية معروفة بسبب تصفية القوميين قادة الحركات النقابية وزجهم في السجون والمعتقلات، وبعد استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1968 م ومن خلال الخطة الانفجارية لعام 1972 حدثت بعض الانجازات على المستوى المنظور مما أدى إلى استيعاب الكثير من الأيدي العاملة في الريف والمدينة لكن حزب البعث بدأ مرحلة جديدة من التضييق على الشيوعيين العاملين في الحركة النقابية حتى صارت الأيام تنذر بمخاطر مقبلة .
الريع النفطي
عندما اندلعت الحرب مع ايران في عام 1980بدأت بوادر الحفاظ على مكتسبات الصناعة الوطنية وإدامتها مكلفة ،خاصة في المشاريع التي لم تكن فعالة في دعم الحرب ،وفي ظل تلك الظروف أصدر صدام قرار 32 لعام 1986 الخاص ببيع وإيجار أملاك الدولة ،ثم تلاها القرار 150 الصادر عام 1987م الخاص بتحويل العمال إلى موظفين ،أما بعد انتهاء الحرب في 1988م ،واحتلاله الكويت واندلاع الانتفاضة الوطنية في 1991م وفرض الحصار ،و وضع العراق تحت طائلة البند السابع تكون الصناعة قد سويت بالأرض تماماً من الفترة 1991م حتى 2003م ولم يبق للصناعة إلا ما هو بدائي ،وان قصدية الضربات الجوية لطائرات التحالف الثلاثيني للمشاريع الصناعية والبنى التحتية لم تكن خارج الخطط المعدة سلفاً، أبان الحصار الاقتصادي ، سادت تجارة العائلة الحاكمة ومعاملها وأزلام النظام ،من أجهزة أمنية وحزبية كفدائيي صدام وجيش القدس ، أما عن العامل العراقي فكان يتقاضى خلال الشهر الواحد راتباً ما قيمته 3 كيلو طحين ، وهذا دليل عن مدى ما وصل إليه العامل العراقي من مستوى ، بسبب السياسة الرعناء لحكم البعث الصدامي.
مابعد 2003
بعد احتلال الامريكان العراق ، الذي هو يعتبر إجهاز على آخر ما تبقى من المنجزات التي شيدت في العقود الماضية ،وفي ظل الخواء الصناعي ، ما يجعلنا على قناعة كاملة بان هدف المعسكر الرأسمالي قد تحقق في دخوله إلى العراق ونهب ثرواته كجزء من برامج العولمة التي يدعو اليها ، وما أن تم تنصيب الحاكم المدني (بول بريمر) حتى بادر في أول هذه التوجهات إزاء الطبقة العاملة ونقاباتها ،في إلغاء العمل النقابي في مؤسسات وزارة الصناعة ،ثم جاء قرار رقم (3) من مجلس الحكم الصادر عام 2004 م الذي أوقف بموجبه عمل الاتحادات والنقابات ماعدا الجمعيات الخيرية ،ويأتي بعده الأمر الديواني المرقم 8750 لسنة 2005 م الذي ينص على إيقاف أرصدة الاتحاد المالية ، وهذان القراران يشيران إلى ان الحكومات لا تريد ان تفي بالتزاماتها تجاه ما نص عليه الدستور من المادة 22 لسنة 2005 م رغم المناشدات العربية والدولية ،فأن التضييق على العمل النقابي وكوادره مازال مستمراً ،وقد استخدمت شتى الأساليب للحد من تحركاتهم ، ،لكن هذا لم يثن اغلب النقابيين وقادتها من الاستمرار،
أن العمل النقابي بعد الاحتلال لم ينج من المحاصصة السياسية حيث تأسس الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق على هذا النهج ،فان النقابيين الذين تصدوا للعمل النقابي كانوا يحملون برامج متعددة متشابهة ومختلفة ،اي ليس هناك قانون يوحد عملها وجهدها ،ان الدولة لم ترع العمل النقابي، بل كبلته بتلك القوانين التي ذكرناها ، مع العلم بان التأثيرات الطائفية في الدوائر والمؤسسات والشركات كان كبيراً جداً ، وان إقناع العمال ورؤساء الدوائر في القطاع العام والخاص بالعمل النقابي ليس سهلا ، وان المسائل لم تزل معقدة وصارت تحسب بحسابات مؤسفة ، وفي ظل تعقيدات كهذه ومشاكل ،تكون قد أهدرت الكثير من حقوق الطبقة العاملة وحركتها النقابية ،وان اغلب الحكومات التي جاءت بعد 2003م منذ بول بريمر حتى حكومة العبادي ،تعتبر الهاجس الأمني فوق كل الاعتبارات بسبب حالة الانفلات الامني، إضافة إلى ان عملية التنمية والتطوير الصناعي لم تزل راكدة ،وان جهد هذه الحكومات قائم على استخراج النفط والبحث عن وسائل لزيادة الطاقة التصديرية ،وإذا ما تمعنا في ما تشكله الأيدي العاملة في العراق من نسبة فهي تقدر ب 75 في المائة فان النسبة الفعلية التي تعمل ،هي اقل من ذلك بكثير ،ما يعني بان النسبة الأكبر من هذه الأيدي تعتبر في حالة بطالة فعلية ومقنعة .
خاتمة
من خلال ما تقدم ،ومن اجل ان نضع أساسيات العمل النقابي الصحيح تحت مظلة دستورية تكفل للطبقة العاملة حقوقها ، ومستقبل أجيالها القادمة يجب تنفيذ النقاط التالية :
1- تشريع قانون للمادة 22 من الدستور الخاص بالاتحادات والنقابات والجمعيات في القطاع العام والخاص والمختلط .
2- مراجعة الخروق والانتهاكات في فترة حكومة نوري المالكي 2014 م والتي ألحقت بالطبقة العاملة الضرر من خلال التجاوز على أموالها وبناياتها ،وكل ما يتعلق بملكيتها المادية والمعنوية .
3- ان يكون التمثيل في المؤتمرات العربية والدولية وفق معايير مهنية خالصة ،وعدم الانجرار وراء المحاصصات البغيضة .
4- تشكيل لجنة يكون تمثيلها من السلطات التنفيذية والتشريعية والاتحادات والنقابات تعد لقانون انتخابات نقابات عمالية يشمل جميع مناطق العمل في القطاع العام والخاص والمختلط .
ان الحديث عن الطبقة العاملة وحركتها النقابية من دون هذه التشريعات ،سيجعل المسائل معقدة في ظل هيمنة البرامج الإقليمية التي لا تريد لبلدنا الخير ، وان إعادة الاقتصاد العراقي إلى وجهه الناصع بمشاركة الأيدي العاملة سيخلص العراق من النعرات المذهبية والطائفية ،ويقدم لأبناء شعبنا الخير والازدهار .

  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: الحركة العمالية في العراق.. نشأتها وتطورها / سالم محسن Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى