مقالات العام

عمالة الأطفال في العراق / عدنان الصفار ــــ الاتحاد العام لنقابات عمال العراق

تشكل عمالة الأطفال في العراق حالة من التراجع الإنساني والأخلاقي والتربوي ، بالرغم من وجود الكثير من الإمكانيات والثروات ، التي تحيط ببلدنا ، إلا إن كل ذلك لا يقود إلى تجاوز هذه الظاهرة التي نشاهدها بشكل يومي وفي أماكن ومجالات ومناطق مختلفة من العراق ، وتاريخ هذه الظاهرة من حيث الاتساع والانتشار بدأ مع الحصار الاقتصادي الذي فرضته القوى الاستعمارية الكبرى ، في ظل هيمنة نظام بوليسي ودكتاتوري ، يبني القصور ولا يبني العقول ، لتشهد فيما بعد هذه الظاهرة ارتفاعا ملحوظا مع وجود الاحتلال الأمريكي وسيطرة نظام المحاصصة الطائفية والعرقية ، الذي أهدر مليارات الدولارات على مشاريع غير معنية بالتنمية والبناء بقدر ما تعنى بتأبيد عوامل الفساد والاستغلال المادي والمعنوي ، من خلال وجود آلية المشاركة في الثروة والسلطة بشكل " تغانمي " مصالحي وفئوي إلى حد بعيد ، والنتيجة هناك التراكم المستمر للفقراء والأيتام من مخلفات الصراع الطائفي والإقليمي ، الدولي حول العراق .
لا توجد إحصائيات رسمية حول عدد الأطفال الذين يعملون في العراق لدى الوزارات المعنية بالأمر متمثلة بوزارة التخطيط أو العمل والشؤون الاجتماعية أو حقوق الإنسان ، فضلا عن فقدان التشريعات والقوانين التي تحمي الأطفال من الاستغلال ، ضمن حدود الممارسة والتأثير الواقعي الملموس ، وخصوصا ما يتعلق بالجانب الاقتصادي وتحقيق المنافع والأرباح ، بالرغم من إقرار الدستور الجديد حضر الاستغلال الاقتصادي للأطفال كما جاء في المادة (29) الباب الثاني في الفقرة الثالثة " يحضر الاستغلال الاقتصادي للأطفال بصورة كافة وتتخذ الدولة الإجراءات الكفيلة لحمايتهم " إلا إن واقع الحال بالنسبة لعمالة الأطفال ما زال مرتفعا وفي اتساع متواصل ليس بسبب عدم تطبيق قوانين الضمان الاقتصادي والصحي لدى العاطلين عن العمل أو عدم مساعدة الأسر الفقيرة اقتصاديا فحسب بل بسبب عدم وجود إستراتيجيات مستقبلية ، تخطط وترسم ملامح وصورا ايجابية فيما يخص عوامل التنمية في قطاعات واسعة كالاقتصاد والصحة والتربية والتعليم .. الخ .

مجالات عمل الأطفال

تنتشر عمالة الأطفال في محافظات العراق كافة وتنقسم ضمن مجالات وإشكال مختلفة بدءا ب " مقالع " أو مكبات النفايات التي يتواجد فيها الكثير من الأطفال " أطفال القمامة " بحثا عن القطع المستهلكة من اجل إعادة صنعها مثل علب المشروبات الغازية " قناني البيبسي " ومواد النحاس " الصفر " والألمنيوم وجميع ما يشكل منفعة اقتصادية أو ربحا ماديا ، إضافة إلى وجودهم في المعامل الأهلية الصناعية التي تفتقد إلى الدور الرقابي من قبل وزارات الدولة المعنية بظاهرة عمل الأطفال ، وكذلك يتواجدون كباعة جوالة في الأسواق لبيع أكياس النايلون ، فضلا عن تواجدهم في معامل صناعة الطابوق في منطقة النهروان في محافظة بغداد وغيرها ، كذلك الحال تواجدهم في إشارات المرور لبيع " قناني الماء " و" المناديل الورقية " وأخيرا لدينا وجودهم في المدن والمناطق الدينية المقدسة ، لبيع الأدعية وقطع القماش المعروفة باسم " العلق " وما سواها من صور لرجال الدين الأحياء منهم والأموات على حد سواء .

آثار ومخاطر

إن مخاطر ظاهرة عمالة الأطفال وآثارها على المجتمع العراقي لا تكمن في طبيعة الاستغلال الاقتصادي والمادي للطفولة العراقية أو تكمن في ترك هؤلاء الأطفال دون تمتع بمراحل حياتهم الزمنية " من تربية وتعليم واندماج مجتمعي في عالم البلوغ والاكتمال ضمن سلوكيات حضارية وإنسانية " فحسب بل يضاف إليها ما هو أخطر بشكل كبير يكمن في " تأبيد عناصر الفساد السياسي للطبقة الحاكمة " من خلال وجود أعداد كبيرة من الأطفال ، دون تعليم وتربية حقيقية تذكر ، فكلما ارتفعت نسبة الأمية في العراق كلما تمكنت السياسة من استغلال المجتمع وبقائه ضمن حالات مختلفة من الجهل والتطرف والتخلف ، فضلا عن شيوع ثقافة الانقسام والانتقام لدى الأجيال المعاصرة ، المغيب عنها ابسط الحقوق المادية والمعنوية .
ومن أهم آثار ومخاطر عمالة الأطفال في العراق نستطيع أن ندرجها كالتالي : -
1 ــ تعطيل الزمن التربوي والمعرفي لدى الأطفال .
2 ــ ولادة أجيال مشوهه غير قادرة على تكوين الاختلاف الايجابي ، مع نتاجهم الأسري الجديد .
3 ــ  ارتفاع مستويات الأمية والجهل بشكل مستمر .
4 ــ  اتساع مستويات الجريمة والعنف والتطرف داخل المجتمع .
5 ــ ديمومة نظام الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي .

مقترحات وحلول

إن ظاهرة عمالة الأطفال في العراق ليست ظاهرة مستعصية عن الحلول ، وتحقيق تجاوزها ، أو إلغاء آثارها ومخاطرها لا يشكل معجزة يراد لها الانتظار ضمن لغة الغيبيات أو الميتافيزيقا ، خصوصا مع الإمكانيات الاقتصادية والمالية الكبيرة لدى العراق . ولكن المسألة لا تحل بمجرد وجود ميزانيات اقتصادية ، انفجارية بشكل متتالي ومتواصل في الارتفاع مع كل عام جديد ، فالاقتصاد يحتاج إلى جهاز إداري يمتلك مقومات الإدارة الناجحة من تخطيط وتنظيم ورقابة وقدرة على اتخاذ القرار وتنبؤ بالمستقبل فضلا عن الإنتاج والإبداع ، هذه المقومات تنسحب على إدارة جميع العلوم والتخصصات بدءا بالاقتصاد والتربية وانتهاء بالسياسة والاجتماع ، وهذه المقومات مع الأسف الشديد غائبة عن الحضور والتأثير لدى الجهاز الإداري لمؤسسات السياسة والاقتصاد في العراق ، التي تتحكم في سيرورة بقية المنتجات العلمية من تربية واجتماع وعلوم أخرى ، ولكن المسألة لا تأخذ الطبيعة المطلقة من حيث ثبات الظاهرة وبقاء " مفعولها وفاعلها " ، فهنالك المتغيرات التي من الممكن أن تحدث القطيعة مع الأجهزة الإدارية والسياسية في الأزمنة الراهنة ضمن حدود المستقبل ، من أجل تجاوز الكثير من المظاهر السلبية التي يعيشها المجتمع العراقي ، تلك المرتبطة بالانقسام وشيوع ثقافة العنف والتطرف ، فضلا عن اغتراب المواطنين عن تحقيق الكرامة والوجود الإنساني .
إن تجاوزنا لظاهرة عمالة الأطفال يمر عبر طريقين احدهما مكمل للآخر ، الأول معني بالضغط على الثاني ، والأخير يمارس وجوده ضمن منهجية الانعكاس الشرطي لضغط الأول ، المتمثل بجميع النشاطات المحركة للمجتمع المدني ، والإعلام المؤسساتي المهني ، تلك التي ترفض عمالة الأطفال عبر أدوات ووسائل الاحتجاج وتنظيم التظاهرات بشكل سلمي من اجل تشريع وتفعيل القوانين الجديدة التي تدعم الأسر الفقيرة ماديا ومعنويا ، وتوفر لهم الضمان الصحي والاقتصادي ، فضلا عن قيامها بمراقبة الأداء التنفيذي للجهاز الإداري المسئول عن محاربة ظاهرة عمالة الأطفال متمثل بجميع الجهات ذات العلاقة المباشرة ، غير الموحدة فيما بينها ضمن خطط سنوية أو جداول دورية تأخذ بنظر الاعتبار عدة مقاييس تتعلق بخطورة الظاهرة ومدى انتشارها وطبيعة تطورها أو تراجعها فضلا عن العدد الإحصائي للأطفال العاملين في العراق .
مخاطر عمالة الأطفال
تقول منظمة يونيسيف في تقرير لها: إن نسبة العمالة بين الأطفال في العراق تزيد عن 11 بالمئة من الأيدي العاملة، في حين تشير إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء وجود مليون ونصف المليون طفل يتيم في العراق.
أن عمالة الأطفال تهدد مستقبل المجتمع العراقي بكامله، «لأنها تخرج أطفالا أميين ليس لديهم القدرة على التعلم في المستقبل.
اضافة إلى فقدانهم قدرات التواصل مع العصر في المستقبل، في ظل حياة تتحول شيئا فشيئا إلى حياة رقمية تعتمد على العلم والدراسة».
وبحسب الدراسات، اغلب البالغين الذين قضوا طفولتهم في العمل مصابون بأمراض نفسية وتنتابهم عدائية شديدة ورغبة في الانتقام من مجتمع لم يتح لهم التعلم وتذكر طفولة سعيدة.و «تؤكد الدراسات: أن الطفولة السعيدة وقضاء الطفل فترتها الزمنية في المدرسة هي الأسلوب المثالي للتربية، لكن الحياة العصرية تغيرت، ففي السابق كان الاباء يدعون أبناءهم الصغار يعملون لأن الحياة كانت تعتمد على الأعمال والمهن العضلية والخشنة، أما اليوم فأغلب الأعمال تعتمد على التفكير والعقل».
 وأقر الدستور العراقي في العام 2005 حقوق الأطفال، وجاء في المادة 29 منه: «يحظر الاستغلال الاقتصادي للأطفال كافة وتتخذ الدولة الإجراءات الكفيلة بحمايتهم»
لكن الحقيقة المرة التي تواجهنا تقول ان الدولة ليست لديها الوقت اللازم للاهتمام بتطبيق هذه المادة الدستورية وانها حالها حال معظم الدول النائمة لا تتذكر الأطفال إلا في المناسبات الخاصة بالطفولة وتركت الحديث عن حقوق الطفل الى منظمات دولية تهتم بهذه المسائل
لقد تم منذ عدة سنوات إطلاق مبادرة عالمية للدفاع عن حقوق الطفل وبطلها هو طائر الدودو، هذه المبادرة تهدف لنشر الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل في كافة أنحاء العالم وبغض النظر عن العرق، الجنس، الدين، المستوى الاجتماعي أو التوجه السياسي. ويشكل موقع « سايبردودو، المدافع عن الحياة»  أداة تواصل عالمية تجمع حولها كافة المهتمين بالدفاع عن الحياة وحماية البيئة بالتعاون مع المنظمات الدولية المعتمدة كالمفوضية السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة والانتربول الدولي.
وتهتم هذه المبادرة بمسألة عمالة الأطفال لأن ظاهرة تشغيل الأطفال تترك أثارا سلبية تنعكس على المجتمع بشكل عام وعلى الأطفال بشكل خاص، ولقد أخذ هذا الاستغلال أشكالا عديدة أهمها تشغيل الأطفال وتسخيرهم في أعمال غير مؤهلين جسدياً ونفسياً للقيام بها، علما أن العديد من الاتفاقيات الدولية قد جرمت بدورها الاستغلال الاقتصادي للأطفال ومنها (تعترف الدول الأطراف بحق الطفل في حمايته من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح ان يكون مضراً أو ان يمثل إعاقة ليتعلم الطفل أو ان يكون ضارا بصحة الطفل أو بنموه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي)
كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أصدرت في عام 1989 اتفاقية حقوق الطفل التي عرفت الطفل بأنه كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره وأكدت على ضرورة السعي لحماية الطفل من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون خطرا أو يمثل إعاقة لتعليمه أو ضررا بصحته أو بنموه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي، وأوجبت على الدول الأطراف فيها اتخاذ التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتربوية التي تكفل هذه الحماية، وبشكل خاص وضع حد أدنى لسن الالتحاق بالعمل ونظام ملائم لساعات العمل وظروفه وفرض عقوبات مناسبة لضمان فعالية تطبيق هذه النصوص، وقد صادق الأردن على هذه الاتفاقية في أيار من عام 1991 إضافة إلى معظم الدول العربية والعديد من دول العالم.




يقول غاي رايدر المدير العام لمنظمة العمل الدولية في الدورة 105  لمؤتمر العمل الدولي الذي انتهت أعمالها قبل يومين  :" ليس مقبولاً وجود 168 مليون طفلٍ عامل ، 85 مليون منهم يعمل في أعمالٍ خطرة . وعمل الأطفال موجودٌ في عدة قطاعاتٍ بدءاً بالزراعة – 99 مليون – ومروراً بالتعدين والصناعات التحويلية وانتهاءً بالسياحة، وهو يُنتج سلعاً وخدماتٍ يستهلكها الملايين كل يوم " . و“ليس هناك مكانٌ لعمل الأطفال في الأسواق جيدة التنظيم وجيدة العمل أو في أيٍ من سلاسل التوريد. والرسالة التي يجب أن نعمل عليها الآن للقضاء على عمل الأطفال إلى الأبد تؤكدها أهداف التنمية المستدامة. والعمل معاً هو وسيلتنا لجعل مستقبل العمل مستقبلاً دون عمل الأطفال."
وكانت الجمعية العامة قد أقرت في نفس العام الإعلان العالمي لحقوق الطفل الذي كان قد تم إعداد مسودته في عام 1957، حيث نص الإعلان على «وجوب كفالة وقاية الطفل من ضروب الإهمال والقسوة والاستغلال، وان لا يتعرض للاتجار به بأي وسيلة من الوسائل، وان لا يتم استخدامه قبل بلوغ سن مناسب، وان لا يسمح له بتولي حرفة أو عمل يضر بصحته أو يعرقل تعليمه أو يضر بنموه البدني أو العقلي أو الأخلاقي».
ويتضمن موضوع عمل الأطفال في المواثيق والمعايير الدولية  وخاصة اتفاقيات العمل الدولية المتعلقة بالحد الأدنى لسن العمل وأسوأ أشكال عمل الأطفال واتفاقية حقوق الطفل وإعلان المبادئ والحقوق الأساسية في العمل.
  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: عمالة الأطفال في العراق / عدنان الصفار ــــ الاتحاد العام لنقابات عمال العراق Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى