مقالات العام

البطالة.. اسبابها وعلاجها / كاظم فرج العقابي

مفهوم البطالة
تعرف ظاهرة البطالة من قبل بعض الاقتصاديين (unemployment), بـ"عدم وجود فرص عمل مشروعة لمن توافرت له القدرة على العمل والرغبة فيه". لذا فانها تعني العجز عن ايجاد فرص عمل مناسبة للحصول على دخل يضمن مستوى معيشياً لائقاً, فالعمل حق لكل انسان قادر عليه، كما ان له حق الحماية من البطالة, فهو ليس لغرض زيادة الانتاج وتحسين نوعه فقط، بل هو حق من حقوق الانسان وتلبية لحاجة من حاجاته الاساسية. والشخص العاطل عن العمل بحسب تعريف منظمة العمل الدولية هو "كل من هو قادر على العمل وراغب فيه ويبحث عنه ويقبله وفق مستوى الاجر السائد، ولكن دون جدوى".
ولفروع المعرفة مفاهيمها الخاصة عن البطالة :
علم الاقتصاد: يهتم بالقاء الضوء على اشكالها وانواعها واسبابها، ويسجل الاختلالات الهيكلية للنظم الاقتصادية التي تعيق التشغيل الكامل وتوجه النظام الاقتصادي نحو توفير فرص جديدة للعمل.
علم الاجتماع (السوسيولوجيا): يتناول البطالة باعتبارها ظاهرة من الظواهر السلبية التي يترتب عليها الكثير من المشكلات الاجتماعية التي تحدث كمحصلة لوجودها ومن هذه الاثار, الجرائم وغيرها من آثار الانحراف التي يقترن ظهورها وانتشارها بالبطالة.
وتؤدي البطالة الى الكثير من المخاطر السياسية والاجتماعية، لذا فالاستقرار السياسي للدولة مرهون بمقدرتها الدولة على خلق فرص العمل.
وقد اختلفت وجهات نظر الاقتصاديين في شأن البطالة بسبب تعدد انواعها واختلاف تاثيراتها حسب كل نوع من هذه الانواع. ولكن يبقى المتفق عليه هو " انها التوقف الاجباري او الاختياري لجزء من القوى العاملة في الاقتصاد عن العمل. مع وجود الرغبة والقدرة على العمل، ويقصد بالقوى العاملة السكان القادرين والراغبين في العمل مع استبعاد الاطفال والعاجزين وكبار السن. وفي معظم العالم يكون سن العمل محصورا بين 15- 65 عاما.
انواع البطالة
البطالة الاحتكاكية: وتتمثل بعدم ملائمة مهارات الايدي العاملة لطبيعة التقنية السائدة بسبب تسارع التقدم التقني. وهذا النوع من البطالة يكون قصير المدى على الارجح، اذ لا يستغرق سوى الوقت اللازم لإدخال هذه الفئات من الايدي العاملة في دورات تدريب مهني بسرعة، لاكتساب المهارات اللازمة التي تؤهلهم للانخراط مرة اخرى في النشاط الاقتصادي.
البطالة الهيكلية: تعتمد على حجم التأثير الذي تتركه البطالة الاحتكاكية. فعندما تتزايد وتستديم الاسباب المؤدية الى البطالة الاحتكاكية تصبح هناك بطالة هيكلية تصيب الهيكل الاقتصادي. وقد ظهرت هذه البطالة في العراق في نهاية عقد الثمانينيات بعد نهاية الحرب مع ايران وتسريح اعداد كبيرة من القوات المسلحة، لم تكن للاقتصاد العراقي القدرة على استيعابها مرة اخرى.
البطالة الاجبارية: وهي التي تتعلق بالافراد العاطلين عن العمل الذين يبحثون عنه وبالاجر السائد ولا يجدونه. ويعد هذا من اشد انواع البطالة حيث تضطر اغلب الفئات الى الهجرة خارج بلدانهم للبحث عن فرص عمل.
البطالة الاختيارية: التي يكون فيها الافراد مخيرين بترك العمل حيث توجد فرص عمل وباجور مناسبة ولكن لاتوجد لديهم الرغبة في العمل.
البطالة المقنعة: هي الحالة التي يتكرس فيها عدد كبير من العاملين بشكل يفوق الحاجة الفعلية اليهم، مما يعني وجود عمالة زائدة او فائضة لا تنتج تقريبا.، ويسود في بلادنا هذا النوع من البطالة في مؤسسات القطاع العام حيث يوجد 4 ملايين عامل ولا يتجاوز معدل شغل اليومي فيها الربع ساعة.
البطالة وتداعياتها
اصبحت البطالة من اخطر المشكلات التي تهدد المجتمعات المعاصرة عموما، واحد التحديات الراهنة والمستقبلية التي تواجهها دول عديدة في العالم، لما لها من آثار وتداعيات سلبية عديدة. فعلى الصعيد الاجتماعي تتسبب في تفكك العلاقات الاجتماعية. وعلى الصعيد الاخلاقي تؤدي الى الانحراف والجريمة والعنف. اما على الصعيد الاقتصادي فآثارها السلبية تتجلى في التفريط بالطاقات البشرية وعدم توظيفها السليم في الاقتصاد العراقي. والبطالة تؤدي الى الفقر وضعف القدرة الشرائية وبالتالي تؤثر على مستوى الانتاجية. بالاضافة الى تدهور التعليم وسوء الرعاية الصحية والخدمات وتداعياتها على مجمل الوضع السياسي، لما ينجم عنها من توترات واحتجاجات ومطالبات تؤثر على استقرار النظام السياسي القائم بشكل كبير. وهذا ما نلمسه اليوم في عدد من الدول العربية ومن ضمنها بلادنا، التي استشرت فيها ظاهرة البطالة بعد الاحتلال الامريكي في عام 2003، واليوم اصبحت البطالة ونتائجها من الاسباب المحفزة للحراك الجماهيري المستمر في بلادنا.
البطالة اهدار للعنصر البشري
تناولت وثائق الحزب الشيوعي العراقي الصادرة عن مؤتمريه الوطنيين الثامن عام 2007 والتاسع 2012 البطالة بعنوانها اعلاه، كونها من اخطر المشكلات التي تواجه بلادنا اليوم. فتزايد اعداد العاطلين عن العمل يشكل امعانا في هدر الثروة البشرية مع ما ينتج عن ذلك من آثار اقتصادية واجتماعية وخيمة. وهذا يبرز خاصة بين الشباب الذين لا يتحسسون – فوق ذلك – وجود افق قريب لتحسن احوالهم. فالبطالة ليست فقط سببا رئيسا في انخفاض مستوى معيشة فئات شعبية واسعة وإفقارها, بل وتوفر بيئة خصبة لنمو الجريمة والتطرف واعمال العنف, ولتفريخ الارهابيين. ذلك ان الفئات المهمشة عادة ما تكون تربة مناسبة لنمو الاتجاهات والخيارات المتطرفة. ووفقا لأحدث الاحصائيات الرسمية يعيش في العراق اكثر من 20 في المائة من السكان (اي ما يزيد عن خمسة ملايين نسمة) دون مستوى الفقر.
وكشفت دراسات معتمدة دولياً عن ان اكثر من نصف الشعب العراقي (حوالي 16 مليوناً) يعيشون بدولار واحد يوميا.
وتتعدد تقديرات معدل البطالة في بلادنا فبحسب مصادر وزارة التخطيط بلغت نسبتها لدى الفئة العمرية 15 سنة فما فوق 28في المائة، لكن هذه النسبة تصل الى 50 في المائة حسب تقارير بعض المنظمات الدولية. ومما يؤشر الابعاد المقلقة للمشكلة، ويفرض وضعها في اولويات اهتمام الحكومة وسياستها واجراءاتها الاقتصادية والاجتماعية، ان معدل البطالة بين الشباب الحاصلين على التعليم الاعدادي والجامعي يصل الى حوالي 40 في المائة.
اسباب ظاهرة البطالة في العراق
ان مشكلة البطالة في الاقتصاد العراقي من المشاكل المركبة حيث تتداخل مسبباتها وتداعياتها بين الاقتصاد والسياسة والاجتماع في الوقت نفسه وهي ليست وليدة المرحلة الراهنة وحدها بل تمتد اسبابها الى النظام الدكتاتوري البائد وقد تفاقمت ابان سلطة الاحتلال والحكومات المتعاقبة والسياسات التي رسمت لها بموجب مشروع الحاكم الامريكي بول بريمر، فهناك اسباب مباشرة واخرى غير مباشرة ساهمت في نشوء وتفاقم ظاهرة البطالة نذكر منها :
1-
الحروب التي خاضها النظام الدكتاتوري السابق وما نتج عنها من حصار اقتصادي وتدني في مستوى الانتاج وتوجيه الدخل القومي نحو متطلبات الحروب.
2-
حل الجيش العراقي وقوى الامن الداخلي والاجهزة الامنية المختلفة ووزارة الاعلام بعد غزو 2003 مما زاد من عدد العاطلين، حيث بلغ عددهم زهاء المليون شخص. كذلك توقف 192 شركة صناعية حكومية عن العمل وعدد العاملين فيها 50.الف عامل.
3-
تدهور الاحوال الاجتماعية والمعيشية قبل الغزو وبعده ويتضح ذلك من عدد السكان المهاجرين الى الخارج الذين ازداد عددهم الى 4 ملايين مواطن.
4-
نظام المحاصصة الطائفية والاثنية وحكوماته المتعاقبة التي اكدت فشلها في العناية بالجانب الاقتصادي والاجتماعي بسبب تكريسها الاقتصاد الريعي والعمل بوصفة صندوق النقد الدولي التي لم توفر فرص عمل للعاطلين وادت الى ركود اقتصادي في القطاعات الانتاجية غير النفطية كالقطاع الزراعي والقطاع الصناعي. فالاقتصاد العراقي اليوم يعاني اختلالات هيكلية وهو اقرب ما يكون الى الاقتصاد الخدمي الاستهلاكي.
5-
توجه الدولة نحو اقتصاد السوق وعدم دعمها القطاع العام بل والتوجه إلى خصخصته، مما يسبب تسريح آلاف العمال ويزيد من جيش العاطلين.
6-
ضعف دعم الدولة القطاعات الاخرى (الخاص، المختلط، التعاوني) وتراجع الخدمات التعليمية والصحية واستمرار ازمة الكهرباء رغم التخصيصات المالية الكبيرة التي كرست لها
7-
لم تولِ الموازنات منذ 2003 حتى الان الاستثمار اهتماما بالقدر المطلوب حيث أن ما خصص له لم يتجاوز 30 في المائة. اما تخصيصات الموازنة التشغيلية فكانت لها حصة الاسد 70 في المائة، وهو ما يتجلى في مشروع قانون موازنة 2017 ايضاً. وهذا يعني انه ليس هناك توجه جاد لتوفير فرص عمل للعاطلين عبر انشاء المشروعات الخدمية والانتاجية.
8-
عدم الاستقرار السياسي، وتدهور الوضع الامني، وغياب تطبيق القانون ونشاط المليشيات المنفلت، وانتشار الجريمة بانواعها المختلفة.. هذه كلها تشكل عوامل طاردة للرساميل والاستثمارات الاجنبية والوطنية. حيث يجري ابتزاز المستثمرين والمقاولين عبر اجبارهم على دفع الاتاوات و(الكومشنات) من قبل بعض المحسوبين على المليشيات المنفلتة، ومن قبل الموظفين البيروقراطيين الذين لهم صلة مباشرة بالكتل السياسية المتنفذة.
9-
لم تحظ السياسة التشغيلية في العراق بالدعم من قبل منظمة العمل الدولية من حيث تطوير الشراكة الاجتماعية وتوسيع الانشاءات الوطنية وخلق فرص عمل فاعلة وتطوير المهارات وفتح دورات التأهيل للقوى العاملة.
10-
زيادة السكان في العراق وتخلي الدولة عن الالتزام بتعيين الخريجين.
11-
تفشي ظاهرة الفساد المالي والاداري والبيروقراطية في مؤسسات الدولة، ما يتسبب في ضياع فرص التنمية وبالتالي تقليص فرص العمل.
12-
تدني التكوين والتاهيل العلمي والمهاري لقوى العمل العراقية مما يفوت عليهم ايجاد الفرص المناسبة للحصول على فرص عمل لائقة.
المعالجات
نرى ان الطريق الى معالجة ظاهرة البطالة يمكن ان يمر من خلال ما يلي :
1-
تعزيز الحراك الجماهيري للضغط على الكتل المتنفذة لتشكيل حكومة وطنية تتصف بالكفاءة والنزاهة، تتبنى مشروعي الاصلاح والتغيير (سياسي، اقتصادي، قضائي، اجتماعي، اداري. الخ).
2-
وضع الشخص المناسب (المسؤول) في المكان المناسب وفقا لمعايير الكفاءة والنزاهة والمهنية.
3-
اصلاح سوق العمل وخاصة القطاعين الانتاجيين الصناعي والزراعي، باعادة هيكلة الاقتصاد العراقي والتخلص التدريجي من اعتماده على النفط فقط ويقترن هذا بالنضال الدؤوب للتخلص من نظام المحاصصة الطائفية والاثنية.
4-
الادارة الناجحة الكفؤة لمؤسسات الدولة المختلفة من شانها ان تحقق الاصلاح والتغيير باتجاه تبني المشروع التنموي السليم الذي يجمع بين النتائج الانتاجية والاجتماعية وتوفير فرص العمل للمواطنين.
5-
اعتماد سياسة تشغيلية عادلة عبر تفعيل قانون مجلس الخدمة لتوفير فرص عمل متكافئة للمواطنين
6-
ضرورة اعتماد سياسة اقتصادية مستقلة قدر الامكان، وتجنب العمل وفق وصفة صندوق النقد الدولي، والتوجه إلى تخليص الاقتصاد العراقي من طابعه الريعي الاستهلاكي عبر تفعيل القطاعات الانتاجية الزراعية والصناعية وتوفير فرص عمل مناسبة للمواطنين.
7-
تقديم الدعم للقطاع الخاص والمختلط والتعاوني ودعم المنتج المحلي عبر تفعيل قانوني حماية المنتج والمستهلك وقانون التعرفة الكمركية.
8-
توفير بيئة مناسبة للاستثمار الوطني والاجنبي والزام الشركات الاجنبية بتشغيل العمالة الوطنية بالنسبة المتفق عليها مع الشركات.
9-
تقديم الدعم الحكومي والاجتماعي للمرأة العراقية وتشجيعها على المشاركة في سوق العمل.
10-
اصدار قانون الرعاية الاجتماعية وتفعيل قانون العمل.
11-
دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة لكونها مشاريع كثيفة العمل وتسهم فعليا في امتصاص جزء من البطالة.
12-
تعزيز دور منظمات المجتمع المدني بالشكل الذي يسهم في معالجة بعض الظواهر الاقتصادية والاجتماعية كالبطالة مثلا.
13-
تحديث المناهج التعليمية لمواكبة التطورات العلمية بما يضمن تأهيل الخريجين من الناحيتين العلمية والعملية وربط السياسة التعليمية بالسياسة الاقتصادية للبلد.
*************
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
1-
مؤلفات الرفيق فهد/ البطالة اسبابها وعلاجها.
2-
التقارير السياسية الصادرة عن مؤتمري الحزب في سنتي 2007 و 2012.
3-
مقالات منشورة في الصحافة والمواقع الالكترونية.

 



  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: البطالة.. اسبابها وعلاجها / كاظم فرج العقابي Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى