مقالات العام

رغم عودتها إلى العمل جزئياً.. معامل البصرة ربما تغلق الأبواب مجدداً إذا لم تعالج الأزمة

باسم محمد حسين، شاكر مجيد الشاهين
لم تكن معامل البصرة بأفضل حال، حتى جاءت التسعيرة الجديدة المرتفعة للكهرباء أخيراً وأغلقتها وسرحت آلاف العمال منها.
وكانت إدارة غرفة الصناعة في البصرة أعلنت، يوم 8 تشرين الاول 2016، أن عشرات المعامل المتخصصة في صناعات أغلبها إنشائية وبلاستيكية وغذائية علقت أعمالها وأغلقت أبوابها احتجاجاً على زيادة اجور الكهرباء بشكل مضاعف بموجب تسعيرة جديدة.
ورغم أن هذه المعامل عاودت نشاطها الإنتاجي، بعد أيام من الإغلاق، إلا أنها تبقى مهددة بالإغلاق ثانية، كون أسباب الأزمة بقيت معلقة.
وفي محافظة البصرة، مئات المصانع والمعامل الحكومية والاهلية، توقف أغلبها عن الإنتاج بعد عام 2003 وسط غياب الإسناد الحكومي، وتنامي عمليات الاستيراد من دون سيطرة نوعية مشددة، وعدم تفعيل القوانين الداعمة للصناعات الوطنية، شأنها في ذلك شأن عموم مصانع محافظات البلاد.
الأزمة لم تنته
وأعلنت غرفة الصناعة في البصرة، أمس الأول، أن عشرات المعامل التي علقت إنتاجها خلال الأيام الماضية احتجاجاً على مضاعفة اجور الكهرباء قد عادت الى ممارسة أعمالها بشكل اعتيادي.
وقال رئيس الغرفة ومدير مركز تطوير المشاريع في المحافظة ماجد رشك عبد الله في تصريح صحفي إن المعامل عاودت الإنتاج نتيجة التوصل إلى اتفاق أولي مع مديرية توزيع الكهرباء في الجنوب لحل المشكلة، مبيناً أن "المديرية سمحت لأصحاب المعامل بتسديد فواتير الكهرباء بموجب التسعيرة القديمة، وذلك لحين تلقيها تعليمات جديدة بهذا الشأن من رئاسة الوزراء".
ولفت رئيس غرفة الصناعة الى أن "الصناعيين في البصرة يعولون على رئاسة الوزراء في اصدار قرار يقضي بإعفاء المشاريع الصناعية التابعة للقطاع الخاص من زيادة اجور الكهرباء لمعالجة المشكلة بشكل نهائي".
وكان فرع اتحاد الصناعات العراقي في البصرة، أعرب عن استغرابه من زيادة الأعباء الضريبية على القطاع الخاص، داعياً الى دعمه وتقديم التسهيلات له لتمكينه من زيادة الإنتاج الوطني وإنعاش الاقتصاد العراقي والمحافظة على العملة الصعبة.
وقال فرع الاتحاد في تصريح صحفي، ان "منطقة الناظم، جنوب غربي البصرة، تضم العديد من المشاريع الصناعية الخاصة والاستثمارية، كتلك التي تنتج الاسمنت والمواد الانشائية فضلا عن البلاستيك،التي أغلقت أبوابها بسبب زيادة أجور الكهرباء"، مستغرباً من "فرض المزيد من القيود على المشاريع الصناعية وزيادة أعبائها الضريبية في حين تواصل دول الجوار، دعم قطاعها الصناعي الخاص".
وتساءل رئيس فرع اتحاد الصناعات العراقي في البصرة، "كيف يمكن للقطاع الصناعي الخاص، العمل والمنافسة، في ظل زيادة الرسوم الضريبية عليه وعدم تسهيل أموره"، داعياً إلى ضرورة "دعم القطاع الخاص وتقديم التسهيلات لتمكينه من زيادة الإنتاج الوطني وإنعاش الاقتصاد العراقي والمحافظة على العملة الصعبة".
دوامة من التناقضات
رئيس غرفة صناعة البصرة ماجد رشك، يوضح في تصريح لـ"طريق الشعب" شدة التناقضات في القرار الحكومي في التعامل مع الصناعة العراقية، فهو يقول: نحن أمام دوامة كبيرة. في العاصمة بغداد، تدعي الحكومة الاتحادية العمل على الإصلاحات، وتوجه كتبا رسمية للوزارات والجهات الأخرى لإسناد القطاع الخاص وتطويره وتسهيل انشاء معامل جديدة. ولكن الملاحظ هو أن الإجراءات والقرارات التي تتبعها الوزارات ودوائرها تسير بعكس هذا الاتجاه تماماً، لذا يستوجب أن تكون الأمور واضحة وموحدة كي نتعامل مع الدولة العراقية لا مع مؤسسات متفرقة.
وقال: في البصرة لدينا حوالي 120 معملا أوقفوا إنتاجهم وسرحوا عمالهم قبل أيام. ولمعالجة الأمر اجتمعنا معهم وطلبنا منهم فرصة كي نتدارس الأمر مع مجلس المحافظة الذي يمتلك القرار، وكل ما استطعنا فعله هو تأجيل الأمر حتى البت به من قبل الحكومة الاتحادية.
العامل يدفع الضريبة
لا يملك السيد رشك احصائية دقيقة عن عدد العمال في المصانع المتوقفة، ولكن يقدر أعدادهم بـ 10 آلاف عامل، مهددين بفقدان وظيفتهم ولقمة عيش عوائلهم، مشيراً إلى أن هذا العدد في منطقة صناعية واحدة، من أصل 18 منطقة صناعية في البصرة ستبدأ بالتوقف عن العمل لاحقاً أذا لم تعالج الأزمة.
وأوضح: إذا ما استمرت الأزمة وعاودت المعامل الإغلاق، فنحن أمامنا خيار واحد، وهو اعداد قوائم بأسماء العمال المسرحين من وظائفهم، وتسليمها إلى المحافظة كي تتولى تسديد مستحقات الضمان الاجتماعي لهم لأننا سنتوقف عن التسديد بسبب توقف العمل.
وقال رشك: ان المنتجين يدفعون مستحقات لأربعين جهة رسمية وشبه رسمية بدءاً من رسوم إيجار الأراضي ورسوم ممارسة المهنة وإجازة الصحة وغيرها. وحين يتوقف عملنا، ستقف أرزاق العمال، كعمال النقل و التحميل والناقلين وعمال المطاعم والخدمات وتجار المواد الأولية وتجار مواد الصيانة وعمالهم والوسطاء وغيرهم.
وأوضح: أنه رغم النوايا بفتح 20 ألف مشروع صناعي جديد بموجب دراسات مقدمة، متوفرة لكن تبقى مشكلة إسناد تلك النوايا من قبل أصحاب القرار في الحكومة، حيث أن هناك شعورا لدى الكثير منا بمحاولات تسقيط الصناعة في العراق.
التسعيرة لا تلائم الاستثمار
المهندس مهدي صالح العبادي، مدير شركة سما للصناعات الكونكريتية في طريق الناظم، ومسؤول لجنة طريق الناظم في غرفة صناعة البصرة يرى أن التسعيرة الجديدة "لا تلائم قانون الاستثمار ولا يمكن أن تُعَدّ تشجيعا للاستثمار. بل بالعكس فهي تحد من مجال الاستثمار وتدمر القطاع الصناعي وهي ضد مبدأ دعم وحماية المنتج العراقي وعبارة (صنع في العراق) وهذا واضح جداً من خلال الأسعار الجديدة للوحدة الكهربائية التي تضاعفت بشكل غير منطقي ومجحف".
وأضاف لـ"طريق الشعب" أنه في حال استمرار تسعيرة الكهرباء الجديدة، سيجري الحد من الانتاج المحلي، وتفتح الأبواب واسعاً للاستيراد وهدر العملة الصعبة وخصوصاً البلد يعاني من انخفاض اسعار النفط الآن، الأمر الذي يوجِب على المعنيين تقليل هدر العملة وتقنين الاستيراد وتشجيع المنتج الوطني بتقديم التسهيلات اللازمة لتشجيع القطاع الصناعي.
مدير شركة أبو الخير للصناعات الحديدية عبدالحسين كاظم عبود بدأ حديثه بالاتفاق مع قول ماجد بوجود محاولات لضرب الصناعة المحلية قائلاً: نحن نشعر حقيقة بتبادل الأدوار في تسقيط الصناعة، فمثلاً وزارة المالية ترفع ثمن استئجار الأراضي المستخدمة في ظل هذه الظروف الصعبة، وحينما تبدأ محاولات لتحسين قانون الاستثمار كي يتماشى مع أوضاعنا وتنشيط القطاع الصناعي تأتي الضربة القاضية بمضاعفة سعر الكهرباء المستهلكة في العمل.
واضاف: دورنا اليوم في غرفة صناعة البصرة هو إنجاح العملية الصناعية ورفد القطاع الصناعي بالأيدي العاملة بغية القضاء على البطالة في ظل هبوط اسعار النفط عالمياً.
وأد الصناعة المحلية
المهندس محمود الشاهين تحدث عن وأد القطاع الصناعي الخاص، قائلاً ان هذه الإجراءات التعسفية في رفع تعريفة الكهرباء تأتي كمحاولة لوأد أي فكرة صناعية مستقبلاً. فاي مستثمر عندما يجري دراسة جدوى لمشروعه سيلاقي صعوبة كبيرة، حيث سترتفع كلفة الانتاج عالياً نتيجة ارتفاع سعر الطاقة الكهربائية. إذن فهذه العملية هي وأد لأية فكرة لتطوير المعامل أو إنشاء معامل جديدة.
السيد عبدالحسين فاضل نائب رئيس غرفة صناعة البصرة يقول أيضا: انه توقعنا بعد التغيير في 2003، أن تكون هناك نهضة صناعية وترتقي بالقطاعين العام والخاص, ولكن فوجئنا بان الحكومات المتعاقبة غير مهتمة بالصناعة وحتى بالجانب الاقتصادي وكأنها حكومات تصريف أعمال فقط. واتضح جلياً أنها حكومات غير مؤهلة للعمل في تطوير البلد ولو بأبسط الحدود وتفتقر للبرامج المرحلية والإستراتيجية. لذا كنا شبه مقيدين في عملنا.
ويوضح: طالبنا بأربعة قوانين لحماية الصناعة المحلية، هي: قانون حماية المنتج الوطني، قانون حماية المستهلك، قانون التعرفة الكمركية، قانون السيطرة النوعية. وشرعت هذه القوانين ولكن فيها سلبيات كثيرة وخصوصاً قانون حماية المنتج، كما طالبنا بصندوق لتمويل القطاع الصناعي الخاص ليكون الدعم المادي مستمراً لهذا القطاع.
ويشير: صحيح أن الحكومة أطلقت سلفا للقطاع الصناعي الخاص منذ 2015 ولكن بشروط وضوابط تعجيزية واتضح أخيراً أنها أكذوبة. بينما في الدول الأخرى هناك جهات عديدة تقوم بتمويل القطاع الخاص وبضوابط ممكنة وسهلة وميسورة.
ويبين عبدالحسين فاضل: أنه منذ بداية الأزمة في بلدنا أصبح بعض ارباب العمل يتهرب أيام الخميس من العاملين في مؤسسته، لأنه لا يستطيع دفع أجورهم الأسبوعية بسبب تراكم الديون وازدياد الالتزامات المالية وقلة العائد المادي.
ويوضح: لقد قامت وزارة المالية بزيادة إيجار قطع الأراضي المقام عليها مشاريعنا الصناعية، وكذلك البلديات رفعت سعر نقل النفايات إلى أربعة أضعاف، وأخيرا الكهرباء ارتفعت الى 10 أضعاف السعر السابق. كيف للصناعي أن يتدبر أمره ويطور نشاطه في ظل هكذا ممارسات؟ ثم نحن في منافسة شديدة مع المواد المستوردة حيث أنها واطئة الكلفة مقارنة بكلف انتاجنا الفعلية.
في الدول المتقدمة يشكل القطاع الصناعي 85 في المائة من أنشطة الدولة بشكل عام ونرى أن التقدم في تلك الدول مستمر وفي جميع المجالات, والإخفاق حالة نادرة جداً وبالتأكيد له مسبباته . وفي بلدنا لا يتجاوز نشاط القطاع الصناعي الخاص 0,1في المائة من الناتج القومي الاجمالي. في حين كان في عشرينات القرن الماضي يساهم هذا القطاع بـ 28في المائة من الناتج القومي.
الحكومة دمرت الصناعة، يقول عبد الحسين فاضل نائب رئيس غرفة صناعة البصرة، ودمرت النشاط الصناعي. فمثلاً، والكلام له، هناك مسؤول بصري كبير لا يقبل باستخدام المواد المصنعة وطنياً في المشاريع الحكومية ويطلب مواد كويتية أو ايرانية أو من مناشئ أخرى غير عراقية، بينما في أحد المعارض المقامة أخيراً ناقشنا الجميع وقلنا أن منتجاتنا لا توازي المنتج الإقليمي بل أفضل منه ولكن بعض المسؤولين لا يقتنع بذلك ويصر على قبول المنتج غير العراقي.
ويتابع: شاركنا في معارض محلية عالمية منها معرض البصرة الدولي لعدة دورات باسم غرفة صناعة البصرة. أردنا من ذلك إيصال رسالة الى الحكومة المحلية بأن البصرة تمتلك صناعات متطورة ترقى الى العالمية ويفترض بكم رعايتها والترويج لاستخدامها في المشاريع والاهتمام بها وتطويرها.
واقع العمال لا يسر
وعن علاقة المصانع بمراكز التدريب المهني من أجل زيادة كفاءة ومهارة العاملين ورفع مستوياتهم الأدائية، يؤكد نائب رئيس غرفة صناعة البصرة أنه: لدينا علاقات مع مراكز التدريب في ابي الخصيب وخور الزبير وحي الحسين ولكن دوراتهم لشهر أو شهرين وهي غير مجدية وعمالنا يتدربون بطريقة الانتاج النمطي في اغلب الأحيان أي التدريب ضمن خطوط الانتاج، وهي طريقة أكثر جدوى .
ويضيف: الوضع العام بعد 2003 تغيَّر بشكل كبير جداً حيث أغلب العمال العراقيين يرغبون في فرص تثبيتهم في وظائف حكومية فاتجهوا للانخراط في الأجهزة الأمنية وقوى الجيش وبعض دوائر الدولة.
الجدير بالذكر أن اتهامات عديدة ومتكررة توجه إلى وزارات الدولة بسبب إهمال منتجات الصناعة الوطنية وعدم تشغيل المصانع والمعامل الحكومية.
ويبدي معنيون بالقطاع الصناعي استغرابهم من قيام عقود شراء الاسمدة الكيمياوية لصالح وزارة الزراعة التي تهم بجلبها من الخارج دون ان تعير اهتمام للمنتجات الوفيرة التي تنافس المستورد في معامل الشركة العامة للاسمدة الجنوبية، حيث تنفيذ عقود المبادرة الزراعية وشراء الاسمدة الكيمياوية بملايين الدولارات من مناشئ اجنبية يثير علامات استفهام.
كما هناك تغطية على عملية تزويد الشركة الكويتية بأكياس النفايات التي يتم جلبها من الخارج عبر المنافذ الجنوبية بينما يتم تصنيع نوعية فائقة الجودة بمعمل البتروكيمياويات في البصرة دون التعاقد معه

  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: رغم عودتها إلى العمل جزئياً.. معامل البصرة ربما تغلق الأبواب مجدداً إذا لم تعالج الأزمة Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى