مقالات العام

العراق وخطوات هامة في توسيع مظلة الحماية القانونية للعمال ومنظماتهم النقابية..... وسام جاسب عودة



العراق وخطوات هامة في توسيع مظلة الحماية القانونية للعمال ومنظماتهم النقابية


خلال الأعوام الثلاث المنصرمة وتحديدا بعد صدور قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 وانضمام العراق هذا العام الى إتفاقية العمل الدولية رقم 87 لسنة 1948 حدثت تطورات هامة في توسيع مظلة الحماية القانونية للعمال ومنظماتهم النقابية عبر معالجة القوانين والقرارات السابقة الصادرة أبان فترة النظام السابق الذي حاول وبشتى الطرق تقويض دور الحركة النقابية في العراق ومنع التنظيم النقابي في القطاع العام. وسيتم التطرق في هذه الورقة - التي قدمت أجزاء منها في إحدى المؤتمرات التي اقامتها وزارة العمل أواخر عام 2016 حول سبل تطبيق قانون العمل وقانون التقاعد والضمان الإجتماعي للعمال ومؤتمرات وإجتماعات أخرى مع الاتحادات والنقابات العراقية والدولية – الى التغيرات التي طرأت في مجال الحمايات القانونية تلك وبالتفصيل لتكون متاحة لجميع الاتحادات والنقابات العراقية والجهات الرسمية المعنية بتطبيق تلك القوانين في العراق.
أولا: توسيع مظلة الشمول للفئات العمالية في قانون العمل العراقي
جاء قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 بنطاق سريان واسع ليشمل " جميع العمال في جمهورية العراق أومن هم في حكمهم " بعد إن إقتصر القانون السابق على شمول عمال القطاع الخاص والمختلط والتعاوني. وهذا يعني شمول العمال الأجور والعقود في القطاع العام بالحمايات القانونية بعد أن واجهوا سنوات صعبة بعدم تطبيق قانون الخدمة المدنية عليهم أسوة بالموظفين المعينين على الملاك الدائم. ولم يستثني قانون العمل من أحكامه الا الموظفين الحكوميين المعينين على الملاك الدائم وفق قانون الخدمة المدنية أو وفق نص قانوني خاص ومنتسبي القوات الامنية من الجيش والشرطة الذين يخضعون لقوانينهم الخاصة.
وجاءت جملة " من في حكمهم " في نطاق السريان لتبين شمول فئات واسعة بأحكام قانون العمل ممن تكون علاقة عملهم بصاحب العمل ناجمة عن تشغيل وليس توظيف وهناك فرق في تلك السياسات وضوابطها القانونية في العراق وهذا ما سيتم التطريق اليه ضمنا في هذه الورقة .
إن شمول تلك الفئات ( العقود والأجور اليومية في القطاع العام ) بالحماية القانونية التي اقرها قانون العمل فتح الطريق حكما لشمولهم بقانون الضمان الاجتماعي رقم 39 لسنة 1971 وبذلك أصبحت تلك الفئة تحت الحمايات القانونية اللازمة والتي تؤمن لهم ولعوائلهم مستقبلا أفضل بعد أن كان مصيرهم مجهولا لمن لم يتم تثبيتهم على الملاك الدائم لدوائر الدولة والقطاع العام.
ولتأكيد ذلك قامت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بمفاتحة الوزارات والهيئات المستقلة والجهات غير المرتبطة بوزارات لغرض إعلامهم بشمول العمال من العاملين بأجر يومي والمتعاقدين في القطاع العام وكذلك شمولهم بقانون التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال وضرورة اتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ ذلك.
وكان هناك جدل واسع وتحليلات بين الأوساط العمالية حول وضع العاملين بنظام الأجور اليومية والمتعاقدين مع دوائر الدولة والقطاع العام ان كانوا عمالا ومشمولين بقانون العمل الجديد أم هم موظفون تنطبق عليهم قوانين الخدمة المدنية .. ولتوضيح ذلك سنتناول وضع المتعاقدين وفق مشاريع استثمارية التي يظن البعض انها أصعب حالة يدور الجدل حول وضع انطباق قانون العمل عليها من عدمه. مع ضرورة الالتفات الى ان هناك 3 فئات من العمال في دوائر الدولة والقطاع العام: (1) الاجراء اليوميين، (2) المتعاقدين وفق مشاريع تشغيلية، (3) المتعاقدين وفق مشاريع استثمارية.
لنأتي الى الوضع القانوني للعمال المتعاقدين العاملين في المشاريع الاستثمارية، فهذه الفئة يتم التعاقد معها (عقد بين الحكومة والموظف المؤقت) وفق قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 603 لسنة 1987 المتعلق بتعيين موظفين مؤقتين في الأعمال ذات الطبيعة المؤقتة. وأود أن أبين ان قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 603 فيه عيوب قانونية ويتعارض مع قانون الخدمة المدنية النافذ وأنه اتخذ على خلفية قرار 150 لسنة 1987 الخاص باعتبار العمال في دوائر الدولة والقطاع العام موظفين بعد ان ايقن النظام السابق آنذاك ان فراغا وظيفيا قد حدث في دوائر الدولة والقطاع العام بسبب آثار القرار 150 وما تبعه من إصدار قانون العمل السابق رقم 71 لسنة 1987 والذي غطى فقط القطاع الخاص والمختلط والتعاوني وصعوبة تشغيل عمال دائميين أو مؤقتين في القطاع العام لعدم وجود غطاء قانوني لذلك. فتاريخ تشريع قرار 150 كان 19 آذار 1987 بينما كان تاريخ تشريع قانون العمل السابق 71 في 17 آب 1987، وتاريخ إصدار قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 603 كان بتاريخ 24 آب 1987. وهذا يدلل على حجم الإرباك التشريعي الحاصل آنذاك بسبب قرار 150.
نعود الى مناقشة قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 603 والعيوب القانونية الواردة فيه. حيث تشير المادة أولا من القرار الى انه للوزير المختص ورئيس الدائرة غير المرتبطة بوزارة أو من يخولانه (تعيين) الذين أكملوا الثامنة عشرة من العمر بصفة (موظفين مؤقتين) في الأعمال ذات الطبيعة المؤقتة. واستمر القرار بذكر جملة (موظفين مؤقتين) وهذا تناقض واضح ينم عن حجم المشكلة التشريعية في هذا الموضوع آنذاك.
فكيف يمكن أن ترادف كلمة "موظف" كلمة " مؤقت"؟ فتعريف الموظف في قانون الخدمة المدنية واضح جدا على انه ((كل شخص عهدت إليه وظيفة (دائمة) داخلة في الملاك الخاص بالموظفين)) ولنركز على ((وظيفة دائمة)) المقابلة لمصطلح ((الموظف)) . هذا من جانب، ولنعود للجانب الآخر وهو تعريف الملاك الوارد في تعريف الموظف في قانون الخدمة المدنية " فالملاك هو مجموع (الوظائف والدرجات المعينة لها) المصادق عليها بموجب قانون الميزانية أو من قبل وزير المالية ".
لم يحل الموضوع قانونا حتى ذلك التاريخ خصوصا في تعريف الموظف، حيث حاول النظام السابق تدارك هذا الخلل التشريعي ومعالجة ذلك في قانون الانضباط رقم (14) لسنة 1991 حيث عرف الموظف على انه (كل شخص عهدت اليه وظيفة داخل ملاك الوزارة او الجهة غير المرتبطة بوزارة). فنلاحظ ان التعريف الوارد بقانون الانضباط يختلف عن التعريف الوارد بقانون الخدمة المدنية حيث اسقط قانون الانضباط صفة الديمومة من الوظيفة ليشمل الموظف على الملاك الدائم والمؤقت. وهذا مناقض لتعريف الموظف في قانون الخدمة المدنية.
إذن أصبح واضحا جدا ان الموظف هو من تعهد اليه وظيفة دائمة بدرجة وظيفية. وهذا ما يتناقض مع تعريف الموظف ((المؤقت)) في قرار 603. إذن إن استخدام مفردة موظف في قرار 603 هو خلل قانوني واضح جدا، وبالتأكيد يدركه النظام آنذاك لكن لم يكن أمامه طريق آخر للتخلص من مفردة " عامل " في دوائر الدولة والقطاع العام. وقانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم (14) لسنة 1991 غير معني بموضوع التوظيف وشروطه بقدر ما هو معني بوضع قواعد انضباطية للموظفين.
الأمر الاخر ان قانون الخدمة المدنية يتناول موضوع شروط التوظيف والاستخدام، علماً ان المستخدمين وملاكهم لم يعد له وجود حيث الغي بموجب القرار (911) لسنة 1976. إذن قانون الخدمة المدنية يتناول موضوع التوظيف على الملاك الدائم فقط ولا يعطي أي صفة أخرى لموظف مؤقت أو متعاقد، وهذا يدلل على العيوب القانونية لقرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 603.
إذن ما هو الوصف الدقيق للعاملين وفق نظام الأجور اليومية والمتعاقدين (سواءً بنظام استثماري أو تشغيلي) في دوائر الدولة والقطاع العام؟ ما ورد أعلاه يثبت انهم ليسوا دائميين " حتى الان "وغير معينين على الملاك الدائم لعدم امتلاكهم درجات وظيفية . فقبل صدور قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 كانت هذه الفئة غير مغطاة قانونا لكن بعد ذلك أصبحوا تحت مظلة هذا القانون الذي تبين المادة (3 - أولا) منه نطاق السريان " تسري احكام هذا القانون على جميع العمال في جمهورية العراق او من هم بحكمهم ما لم ينص البند (ثانيا) من هذه المادة على خلاف ذلك" . والمشرع العراقي كان دقيقا جدا في موضوع الاستثناء وحسم ممن يمكن أن يكونوا خارج إطار قانون العمل وعلى وجه الخصوص في القطاع العام حيث أشار وبدقة الى ان من يستثنيهم القانون هم الموظفين العموميين المعينين وفق قانون الخدمة المدنية أو نص قانوني خاص وأفراد القوات المسلحة ومنتسبي الشرطة والأمن الداخلي. إشارة الاستثناء الى المعينين في القطاع العام تعني من هم موظفون دائميون على الملاك ولهم درجات وظيفية مصادق عليها بموجب قانون الميزانية أو من قبل وزير المالية، وعدا ذلك هم تحت غطاء قانون العمل وهذا يشمل العقود والاجور في دوائر الدولة والقطاع العام. وهذا يعني ان العاملين بنظام الأجور اليومية والمتعاقدين مع دوائر الدولة والقطاع العام تنطبق عليهم صفة " عامل " ومشمولون بقانون العمل ومنح صفة العامل لكل منهم جاء لتوفير الحماية القانونية لهذه الفئة ولشمولهم كذلك بقانون التقاعد والضمان الاجتماعي.
وعاد قانون العمل الجديد ليرسخ ذلك بما لا يقبل الشك في الاسباب الموجبة لتشريع ذلك القانون بذكر أحد اسباب التشريع بما يلي " ولإيجاد غطاء قانوني للعاملين بعقود في دوائر الدولة والقطاع العام وجعل خدمتهم مضمونة لأغراض منحهم الحقوق التقاعدية" . وإن الأسباب الموجبة هي جزء لا يتجزأ من أي قانون ويجري الحكم قضائيا في تفسير نصوص القانون والحكم بموجبها إن حصلت أية اجتهادات في تفسير مادة ما. ومما يجدر ذكره ان طرق التوظيف والتشغيل تختلف حسب القوانين التي تنظم ذلك.ففي القوانين العراقية " التوظيف" يرد فقط في قانون الخدمة المدنية (الوظائف الدائمية على الملاك) وما سوى ذلك هو تشغيل يختص به قانون العمل. وحالة عمال الأجور والعقود هي تشغيل وليس توظيف سواء كانت الأعمال دائمية أم مؤقتة طالما ليست هناك درجات وظيفية مخصصة لمن يؤدون تلك الأعمال، فقانون العمل يحدد طبيعة الأعمال بدائمة ومؤقتة وموسمية وعرضية وجزئية.
*****
ثانيا : إطار الحريات النقابية في قانون العمل العراقي
تناول القانون في مبادئه الأساسية إحترام الدولة الحقوق الأساسية في العمل سواءا كان في القانون أو التطبيق وشمل ذلك الحرية النقابية والإقرار الفعلي بحق المفاوضة الجماعية. وأعطى القانون الحق بالتنظيم النقابي في مختلف قطاعات العمل "وبضمنها القطاع العام" لجميع العمال في جمهورية العراق بإستثناء المشمولين بقانون الخدمة المدنية من الموظفين المعينين على الملاك الدائم وأفراد القوات الامنية من الجيش والشرطة وبقية قوى الأمن الداخلي عبر نطاق سريان القانون المذكور انفا وكذلك تمتع العامل " بحرية تأسيس النقابات والإنتماء اليها " حسب ما تنص عليه المادة تنص المادة (40) – أولا – (ط) من القانون ، وأورد القانون في عدة مواد وجود اتحاد نقابات العمال الأكثر تمثيلا وهذه إشارة واضحة الى وجود إتحادات أخرى وحرية العمال في تأسيس أو الإنظمام الى النقابات. كما ذهب القانون الى ابعد من ذلك بذكره إمكانية وجود أكثر من نقابة في موقع العمل وذلك في الفصل الخاص بالتفاوض الجماعي. كما تطرق القانون الى حق العمال في انتخاب ممثلين عنهم في حال غياب نقابات العمال ليقوموا بالتفاوض و عقد إتفاقيات العمل الجماعية وفق تعليمات تصدر عن الوزارة تنظم آليات إنتخاب ممثلي العمال. وعالج القانون مشاركة اتحاد نقابات العمال الأكثر تمثيلا في لجان تفتيش العمل واللجان الثلاثية الاخرى كلجنة تحديد الأجور ولجنة إنهاء الخدمة وغيرها من لجان إضافة الى مشاركة ممثل عن الاتحاد في محكمة العمل في كل محافظة. والمشاركة في هيئة قضايا العمل المختصة بالنظر في الطعون حول قرارات محكمة العمل.
أقر القانون حق المنظمات النقابية ، دونما أي تمييز ، بالتفاوض نيابة عن عمالها وذهب الى ابعد من ذلك الى إعطاء هذا الحق لممثلي العمال المنتخبين في حال غياب منظمات العمال وأورد فصلا متكاملا بذلك يشمل آليات واضحة للتفاوض. وأورد القانون في المادة (40) تمتع العمال بحق المفاوضة لتحسين ظروف العمل وشروطه. كما منح القانون العمال حق الإضراب للدفاع عن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية في حال انهيار المفاوضات الجماعية ولم يتم حل النزاع عبر الوساطة والتحكيم في حال نزاعات المصالح. بعد أن صادر قانون العمل السابق حق التفاوض الجماعي والاضراب. في حين حدد القانون من حق الإضراب في المشاريع التي يهدد توقف العمل فيها الحياة أو السلامة أو الصحة العامة لجميع السكان أو بعضهم وترك تحديد نوع المشاريع تلك الى التشاور بين الوزارة ومنظمات العمال وأصحاب العمل الأكثر تمثيلا. وأورد القانون إمكانية الوزارة الى عرض النزاع على محكمة العمل في حالة مشاريع الخدمات الأساسية وعلى المحكمة تحديد موعد للنظر في النزاع وذلك خلال 48 ساعة من تاريخ ورود الطلب على ان تبت المحكمة خلال سبعة أيام - من تاريخ تحديد الموعد – في القضية موضوع النزاع ويكون قرار المحكمة خاضعا للطعن أمام محكمة التمييز خلال (15) يوما من تاريخ التبلغ به على ان تبت محكمة التمييز بالطعن خلال 15 يوما من تاريخ ورود الطعن اليها ويكون قرار محكمة التمييز باتا.
أكد القانون ان علاقات العمل لا تنقطع بين صاحب العمل والعمال أو من يمثلهم أثناء فترة الإضراب. ولا يجوز لصاحب العمل معاقبة العمال بأي عقوبة كانت بسبب ممارستهم الإضراب أو الدعوة اليه طالما تم وفق أحكام القانون. كما منع القانون على صاحب العمل إبدال العمال المضربين بآخرين يشغلهم بصورة دائمة أو مؤقتة وعدم جواز التقدم بطلب الإغلاق الكلي او الجزئي للمشروع أو تقليص حجمه أو نشاطه من قبل صاحب العمل أثناء مراحل النزاع. ويشدد القانون ان الاضراب يوقف عقد العمل ولا ينهيه. ومنع القانون فرض العقوبات الانضباطية على العامل الا بعد منحه فرصة للدفاع عن نفسه وبحضور ممثل العمال. وشدد القانون ان للعامل الحق في ان يساعده ممثل العمال أو النقابة أو أي شخص آخر يختاره للدفاع عن نفسه ضد إدعاءات تخص سلوكه أو أدائه والتي قد تؤدي الى إنهاء عقد عمله.
حظر القانون التمييز ضد العامل لإنتماءه أو نشاطه النقابي وذلك في عدة مواقع في القانون بذكره حظر التمييز المباشر وغير المباشر ضد العمال ، وحيث ان تعريف التمييز غير المباشر أشار صراحة الى ذلك. كما حظر القانون رهن تشغيل العامل بشرط عدم إنضمامه الى النقابة أو التخلي عن عضويته فيها. وأعطى القانون الحق للعامل باللجوء الى محكمة العمل للتقدم بشكوى في حال تعرضه للتمييز أو التحرش أو العمل الجبري وعاقب القانون كل من خالف ذلك بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على مليون دينار أو إحدى هاتين العقوبتين.
يؤكد القانون ان عقد العمل لا ينتهي بسبب عضوية العامل في النقابة أو المشاركة في نشاطات نقابته. ولا ينتهي كذلك عند سعي العامل الى الحصول على صفة ممثل للعمال أو ممارسة هذه الصفة أو سبق ممارستها. ومنح العامل إجازة بأجر تام للقيام بالواجبات النقابية على أن ينص على ذلك في الاتفاق الجماعي المطبق.
ومما تقدم يتضح إن قانون العمل الجديد جاء بروحية مختلفة عن القوانين السابقة بتكريس الحريات النقابية للعمال ومنظماتهم ويستوجب ذلك تصحيح قانون التنظيم النقابي النافذ ليتوافق مع اطر الحريات النقابية الواردة في قانون العمل.
******
ثالثا : انضمام العراق الى اتفاقية العمل الدولية رقم 87 لسنة 1948 ووضع قانون التنظيم النقابي رقم 52 لسنة 1987 جراء ذلك
يعد إنضمام العراق الى اتفاقية العمل الدولية رقم 87 لسنة 1948 ترجمة للخطوات التي قام بها أطراف الحوار الاجتماعي (الحكومة والعمال وأصحاب العمل) في إكمال إمتثال العراق لمعايير العمل الاساسية لمنظمة العمل الدولية الواردة في إعلان المبادئ والحقوق الاساسية في العمل لمنظمة العمل الدولية عام 1998 خصوصا بعد حصول حكومة العراق على عضوية لجنة الحريات النقابية عام 2017 وصدور قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 الذي وفر إطارا جيدا للحريات النقابية ينبغي تعزيزها بتشريع قانون جديد للحقوق والحريات النقابية.
إطار الحريات النقابية الواردة في اتفاقية العمل الدولية رقم 87 لسنة 1948 واتفاقية العمل الدولية رقم 98 لسنة 1949 وقانون العمل النافذ يتقاطع وبشكل كبير جدا مع قانون التنظيم النقابي رقم 52 لسنة 1987 الذي صادر حق التنظيم النقابي في القطاع العام وبشكل كامل وكذلك فرض انماط تنظيمية على العمال دون ان يتيح للمنظمات النقابية والاعضاء حق إقرارها او تعديلها كونها من الامور البديهية في التنظيم النقابي ودائما ما تكون في الأنظمة الداخلية للمنظمات وليس في القوانين مثل شكل التنظيم النقابي وصلاحياته وأشكال الهيئات الدستورية وأعداد الاعضاء في الهيئات العامة والمجالس المركزية وصلاحيات كل من الاعضاء والهيئات النقابية أو القطاعات التي يجوز للتنظيم النقابي النشاط فيها خصوصا بعد إستحداث مهن عديدة بعد التطور التكنلوجي الحاصل بعد تشريع قانون 52 لسنة 1987 ، حيث يمنع القانون تنظيم أي فئة عمالية لم يرد ذكرها في جدول التصنيف المهني الموحد الصادر وفق قانون التنظيم النقابي المذكور، إضافة الى العديد من المخالفات الواردة في القانون والتي تتقاطع مع الاتفاقيات الدولية المصادق عليها قانونا.
وهنا لا بد من الاشارة ان قانون التنظيم النقابي رقم 52 لسنة 1987 يعد الان نافذا على الورق فقط ولا يعتد به قانونا منظما للأمور النقابية بعد المصادقة على اتفاقية العمل الدولية رقم 87 لسنة 1948 خصوصا إن البند (ثانيا) من الاتفاقية المذكورة يبين انه " لا يجوز للقانون الوطني ، ولا الأسلوب الذي يطبق به ، إنتقاص الضمانات المنصوص عليها في هذه الاتفاقية" ، وهذا ما يوضح إن أغلب مواد قانون التنظيم النقابي رقم 52 أصبحت معطلة بحكم هذا البند من الاتفاقية لمخالفتها المعايير الدولية الخاصة بالحقوق والحريات النقابية.
وبالعودة الى أحكام المادة (14 – ثالثا ) من قانون العمل العراقي النافذ والتي تنص الى " عند عدم وجود نص في هذا القانون يصار الى تطبيق أحكام إتفاقيات العمل العربية والدولية ذات الصلة المصادق عليها قانونا" ، وبالاشارة الى المادة (6-أولا) من قانون العمل التي تنص على إحترام الدولة المبادئ والحقوق الاساسية في العمل " سواءا في القانون أو التطبيق " ومنها الحرية النقابية والإقرار الفعلي بحق المفاوضة الجماعية. يتبين وبشكل جلي نفاذ أحكام الاتفاقية بشكل كامل ضمن قانون العمل إضافة الى ان قانون الانضمام رقم 87 لسنة 2018 يعتد به قانونا وطنيا نافذا. وهذا ما يؤكد وبشكل قاطع ان قانون التنظيم النقابي رقم 52 لسنة 1987 لم تعد له قوة وأثر قانوني في التطبيق أو التنازع القضائي وهذا ما يلزم معالجته بصورة عاجلة بتشريع قانون جديد للتنظيمات النقابية في العراق يتوافق تماما مع قانون العمل وإتفاقيات العمل المصادق عليها قانونا.
******
رابعا: وضع قرار مجلس قيادة الثورة رقم 150 لسنة 1987
يعتقد الكثيرون ان قرار مجلس قيادة الثورة رقم 150 لسنة 1987 والقاضي بتحويل العمال الى موظفين في دوائر الدولة والقطاع العام ومنعهم من حق التنظيم النقابي لازال حيز التطبيق حتى الآن ، لكن على العكس من ذلك فالقرار وإن كان نافذا ضمن المنظومة القانونية العراقية لكن أثره القانوني إنتهى منذ العام الذي صدر فيه للأسباب التالية:
1. قرار 150 صدر بتاريخ 19 آذار 1987 وأصبح ساري المفعول بتاريخ الاول من نيسان من نفس العام وبموجبه تم إتخاذ عدد من الإجراءات منها تحويل العمال الى موظفين في دوائر الدولة والقطاع العام وشمول الفئات الذين تم تحويلهم بموجب هذا القرار الى موظفين دائميين على ملاك الدوائر والوزارات التي كان يعمل فيها اولئك العمال وتبع ذلك شمولهم بقانون الخدمة المدنية بدلا من قانون العمل الاسبق رقم 151 لسنة 1970.
2. تولت وزارة المالية ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية آنذاك اتخاذ الاجراءات اللازمة لسحب المبالغ المتراكمة عن اشتراكات الضمان الاجتماعي للمشمولين بأحكام هذا القرار لدى المؤسسة العامة للتقاعد والضمان الاجتماعي للعمال وقيدها ايرادا للخزينة تعويضا عن التوقيفات التقاعدية عن خدماتهم العمالية السابقة على نفاذ هذا القرار ، وبذلك لم يعد هناك أي علاقة للعمال المحولين الى موظفين آنذاك بقوانين العمال والضمان الاجتماعي.
3. نص القرار على إقتصار قانون العمل الأسبق رقم 151 لسنة 1970 وقانون التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال رقم 39 لسنة 1971 على عمال القطاع الخاص والمختلط والتعاوني حتى يحل قانونا محلهم وبالفعل تم تشريع قانون التنظيم النقابي رقم 52 في شهر حزيران 1987 وكذلك قانون العمل رقم 71 في تموز 1987. ولا ينطبق ذلك على من تم تشغيلهم ( وليس تعيينهم ) بعد هذا التاريخ.
4. إن القرار إنتهى الغرض من إقراره بعد اتخاذ الخطوات المشار اليها في النقاط الثلاث أعلاه وهو ينطبق فقط على العمال الذين جرى تحويلهم بموجبه الى عمال في آذار 1987 وغير معني بمن تم تشغيلهم وفق قرار مجلس قيادة الثورة رقم 603 في آب 1987.
5. واجهت الحكومة آنذاك مشكلة بسبب صدور القرار 150 والقوانين التي جاءت على خلفيته ( قانون العمل وقانون التنظيم النقابي) بوجود فجوة قانونية لتشغيل العمال في القطاع العام ، فتدارك النظام السابق ذلك عبر إصدار مجلس قيادة الثورة قرارا برقم (603) في 12 آب 1987 لتشغيل ( موظفين مؤقتين) وهذا كان من الأخطاء التشريعية التي استمر أثرها حتى تشريع قانون العمل العراقي النافذ (37 لسنة 2015 ) وحسب ما تم بيانه سابقا في موضوع منفصل حول "الحماية القانونية للمتعاقدين والعاملين بنظام الاجور اليومية في القطاع العام" ، حيث لم تسطيع الحكومة آنذاك الخروج من مطب إصدار قرار 150 لسنة 1987.
6. لو تتبعنا تواريخ إصدار القرار 150 وقانون التنظيم النقابي رقم 52 وقانون العمل السابق رقم 71 وقرار مجلس قيادة الثورة رقم 603 لوجدنا انها جاءت متوالية بأشهر قليلة خلال عام 1987 وهذا ما يدلل حجم المشكلة التي تسبب بها قرار 150 الذي كان سياسيا أكثر مما كان هو متعلقا بقضايا العمل والعمال وتحسين شروط وظروف عملهم عبر تقليص حجم ودور نقابات العمال في المجتمع والتهيئة لخطوات الخصخصة التي شرع فيها النظام السابق في نفس العام ، حيث بلغت التغيرات في التشكيلات الحكومية ضمن المدة 1987 - 1992 فقط (1481 ) تغييرا وبلغ عدد التشكيلات الإدارية الملغاة (767 ) تشكيل وقد قامت الحكومة آنذاك بعمليات الخصخصة المذكورة من خلال الإلغاء أوالدمج أو البيع أو الايجار على طول الفترة 1987-1994.
7. صدور حزمة القوانين والقرارات التي تلت صدور القرار 150 يدلل إنتهاء أثر وتطبيق ذلك القرار لوجود ما حل محله آنذاك من قوانين وقرارات " سبق ذكرها في النقطة أعلاه " لتنظيم قضايا التشغيل في القطاع العام وحق التنظيم النقابي وإقتصاره على القطاع الخاص والمختلط والتعاوني.
8. صدور قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 النافذ أنهى تماما جميع الاثار القانونية لنفاذ القرار 150 لسنة 1987 وبصورة واضحة من خلال نطاق سريان قانون العمل الذي شمل جميع العمال في جمهورية العراق أو من هم في حكمهم وهذا يعني عودة شمول القطاع العام بمظلة قانون العمل وحكما الحق بالتنظيم النقابي حيث يشير قانون العمل الى حق العمال في حرية تأسيس النقابات والإنتماء اليها ومنع اي شكل من اشكال التمييز أو المضايقة ضد اي نقابي أو منظمة نقابية ، وهذا يشمل القطاع العام لإحتواءه على العمال المتعاقدين والعاملين وفق نظام الأجور اليومية ، وما يعني صراحة إنتهاء أحكام قرار 150 الخاصة بإقتصار التنظيم النقابي على القطاع الخاص والمختلط والتعاوني.
9. إضافة الى ذلك فإن جميع ( للموظفين ) والعمال المتعاقدين والعاملين بنظام الاجور اليومية في دوائر الدولة والقطاع العام والعمال في القطاع الخاص والمختلط والتعاوني لهم الحق بتأسيس النقابات والانتماء الى المنظمات التي يختارونها بحرية تامة بعد انضمام العراق الى اتفاقية العمل الدولية رقم 87 لسنة 1948 والتي صادق عليها العراق بموجب القرار رقم 87 لسنة 2018 والذي تم نشره في جريدة الوقائع العراقية المرقمة 4477 بتاريخ 15/1/2018 ، حيث توفر الاتفاقية إطارا واسعا للحريات النقابية في جميع قطاعات العمل بضمنها القطاع العام ، علما إن مفردة " العمال " الواردة في الاتفاقية تشمل العمال والموظفين على حد سواء وإن منح حق التنظيم النقابي للعمال ومنعه عن الموظفين يعد تمييزا بحق الموظفين في في انشاء النقابات والانضمام اليها.
10. مما تقدم أعلاه يتضح جليا إن جميع المتعاقدين والعاملين بنظام الاجور اليومية والموظفين المعينين على الملاك الدائم الموجودين الان في القطاع العام هم خارج قراري مجلس قيادة الثورة رقم 603 و 150 لسنة 1987 تماما وما يحتاجه العراق هو تشريع قانون للحقوق والحريات النقابية متوافقا مع إتفاقيتي العمل الدولية رقم 87 لسنة 1948 و 98 لسنة 1949 ليعطي الحماية القانونية للعمال والموظفين ومنظماتهم في ممارسة العمل النقابي في جميع قطاعات العمل ومنها القطاع العام ولإكساب الصفة المعنوية " وجميع ما يترتب على ذلك " لتلك المنظمات للمباشرة في عملها.
---------------------------------


  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: العراق وخطوات هامة في توسيع مظلة الحماية القانونية للعمال ومنظماتهم النقابية..... وسام جاسب عودة Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى