مقالات العام

لماذا الإهمال في تأهيل المشاريع الحكومية؟ ... ابراهيم المشهداني


الرهان على اعتبار نظام الخصخصة في الاقتصاد هو الاسلوب الريادي الوحيد القادر على معالجة الاعتلال الكبير في الاقتصاد العراقي وتجاوز المحن والاثار الاجتماعية المترتبة عليه وإعادة التوازن الى هذا الاقتصاد، انما هو رهان خاسر فالسياسة الاقتصادية التي وضع اسسها الحاكم الاداري الامريكي قد أنتجت لنا فقرا وبطالة واقتصادا ريعيا وغيابا شبه تام لقطاعات الانتاج وظاهرة من الفساد تقف الدولة امامها عاجزة تماما ومترددة عن ملاحقة كبار الفاسدين وتجريدهم من اسلحتهم.
فالدولة لها وظيفة رئيسة في رسم الاستراتيجية الاقتصادية للبلاد بحكم امتلاكها توجهات عامة لسير الفعاليات الاقتصادية في سياق ترابطها، وهذا ما يفتقده القطاع الخاص بسبب تحرك هذا القطاع في اطار حدود اهدافه الجزئية المحدودة ما يتعين ان تقوم الدولة بتكييف هذه الاهداف بما لا يتعارض مع مصالح الدولة العليا بحيث تكون العلاقة بين القطاعين العام والخاص علاقة تكاملية عبر سلسلة من التشريعات القانونية الضامنة لحقوق المنتجين والمستهلكين في اطار الحفاظ على الاستراتيجية الاقتصادية للدولة ، ولكن الدولة في العراق وبعد مرور خمس عشرة سنة فشلت في تطوير القطاع الحكومي كما فشلت في تمكين القطاع الخاص من النهوض بدوره في عمليات الانتاج والتنمية الاقتصادية ، وهي تمسكت بنصائح المؤسسات المالية الدولية المسلحة بفلسفة الليبرالية الجديدة المعولمة وايديولوجيتها القائمة على افقار البلدان النامية.
ان الخصخصة، التي رسخها البرنامج الحكومي للسنوات الاربعة القادمة كمحور لعملية اعادة الهيكلة، لم تحقق في اي مكان في العالم الاهداف المعلنة فالمديونية الخارجية قد ازدادت في معظم الدول التي تمسكت بأهدابها وتجلت بوضوح في بعض البلدان العربية، كالأردن ومصر وتونس مثالا، وانخفضت معدلات النمو وازداد التفاوت الاجتماعي في توزيع الثروة والدخل وخلقت المزيد من الاضطرابات الاجتماعية وتنامي نفوذ رأس المال الاجنبي. والسبب في كل ذلك ان الخصخصة في محتواها الحقيقي لا تشكل زيادة في رأس المال وتحقيق التراكم المالي وانما يقتصر على تغيير شكل الملكية.
ان بعض اشكاليات الاقتصاد العراقي يتجلى في اهمال الحكومات العراقية المتعاقبة دراسة التحديات التي تواجه الاقتصاد والتي تتمظهر في هشاشة الاستقرار الامني في ظل غياب النظام المؤسسي وتعاظم الصراعات المختلفة التي ضاعفت من تاثيرات الارهاب ، فيما تتعمق المشاكل الاجتماعية التي تتجلى في تعاظم الفقر والبطالة والتضخم وارتفاع تكاليف الانتاج التي يقابلها انخفاض الكميات المنتجة بسبب انخفاض القدرات الصناعية العراقية التنافسية وتعاظم الفساد المالي والاداري وهو الاكثر فتكا في الموارد الوطنية اضافة الى مشاكل المياه وتدهور الانتاج الصناعي والزراعي اللذين لا يساهمان بأكثر من 5 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي .
اننا نعتقد ان الاوان قد حان لتقوم الحكومة العراقية بإعادة دراسة هذه المشاكل ميدانيا بعيدا عن المواقف الأيديولوجية المسبقة ووضع الحلول الواقعية وتمكين المؤسسات الحكومية من وضع المعالجات كل حسب الاختصاص على ان تكون الحكومة المركزية في قلب هذه المعالجات تجسيدا لخصوصية الاقتصاد العراقي بعيدا عن الاملاءات الخارجية غير النافعة. وفي هذا الإطار نقترح التالي:
وضع خطة مستقلة لإعادة اعمار القاعدة التحتية التي تضررت بسبب الحروب والعمليات الارهابية بما فيها المشاريع المعطلة دون الاعتبار للخصخصة المسلفنة اذ ان التعامل معها ايديولوجيا سوف يحطم قيمها الفعلية وتسبب خسائر بالغة للدولة.
التأكيد على ابقاء الصناعات ذات الطبيعة الاستراتيجية في عملية اعادة الاعمار التي تنهض بها الدولة مثل صناعة السمنت والصناعات الانشائية والصناعات الكهربائية والمواد الصحية وصناعة الاسمدة والبتروكيمياويات والحديد والصلب ومشاريع النقل الكبرى والسكك والموانئ على اختلافها والثروات الطبيعية والنفط ومنتجاته ضمن القطاع الحكومي.
اتباع أسلوب المشاركة في الصناعات بعد إعادة تقييمها وفق معايير تحددها الدولة بما لا تنتج عنها أية خسائر وبعد التأكد من عدم جدواها الاقتصادية على ان تأخذ في الاعتبار ضمان حقوق الطاقات البشرية العاملة فيها ودون الحاق اي شكل من اشكال الغبن ومن الممكن دمج بعض الشركات المتقاربة بطبيعتها الانتاجية في حال عدم وجود جدوى بصيغتها الحالية.
  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: لماذا الإهمال في تأهيل المشاريع الحكومية؟ ... ابراهيم المشهداني Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى